ألمانيا - وكالة أنباء إخباري
أزمة الطاقة: الهيدروجين الأبيض قد يكون الحل الخفي والرخيص تحت أقدامنا
في خضم الأزمة العالمية للطاقة والسباق المحموم نحو مصادر نظيفة ومستدامة، تبرز إمكانية ثورية قد تغير قواعد اللعبة: الهيدروجين الطبيعي، أو ما يُعرف بـ 'الهيدروجين الأبيض'. تشير التقديرات العلمية إلى وجود تريليونات الأطنان من هذا الغاز الثمين في قشرة الأرض، وهو ما يمثل كنزًا دفينًا يمكن أن يلبي احتياجات العالم من الطاقة لعقود طويلة، بل لقرون، إذا ما تم استغلاله بكفاءة.
في عمق غابات ولاية بافاريا الألمانية، يقود الجيولوجي يورغن غروتش، الباحث في جامعة إرلانغن-نورنبرغ، حملة استكشافية جريئة للكشف عن هذا المصدر الواعد. بعد عقود قضاها في العمل لدى عملاق الوقود الأحفوري شل، يكرس غروتش الآن خبرته في البحث عن 'الهيدروجين الأبيض' الذي يتسرب بشكل طبيعي من باطن الأرض. باستخدام أجهزة استشعار متطورة، تمكن غروتش وفريقه من رصد مستويات مرتفعة بشكل لافت للنظر من الهيدروجين في عينات التربة، مما يؤكد وجود 'كنز هيدروجيني' تحت أقدامهم.
اقرأ أيضاً
- هالاند يتألق ويقود مانشستر سيتي لانتصار ثمين في دوري الأبطال
- خلل فني واسع يشل حركة الطيران في بريطانيا ويلغي مئات الرحلات الجوية
- ريال مدريد يفتتح مشواره الأوروبي بانتصار صعب على إنتر ميلان
- بهدفي اسماعيل الطاير وشريف الزمالك يتربع قمة الدوري
- رئيس الوزراء يبدأ جولة تفقدية بمشروعات تنمية مدينة رأس الحكمة الجديدة
يُعد الهيدروجين منذ فترة طويلة حلاً واعدًا لإزالة الكربون من الاقتصادات العالمية، حيث يمكن استخدامه لتوليد الحرارة اللازمة لتشغيل السفن والصناعات الثقيلة مثل صناعة الصلب دون انبعاثات كربونية ضارة. تتوقع وكالة الطاقة الدولية أن الطلب العالمي على الهيدروجين قد يتضاعف ثلاث مرات بحلول عام 2050. ومع ذلك، فإن التحدي الأكبر يكمن في عملية إنتاج الهيدروجين، والتي تعتمد حاليًا بشكل كبير على الوقود الأحفوري، حيث يتم إنتاج أقل من 1% فقط منه باستخدام الطاقة المتجددة من خلال عملية التحليل الكهربائي المكلفة.
هنا يأتي دور 'الهيدروجين الأبيض' كبديل ثالث محتمل. يتشكل هذا الهيدروجين بشكل طبيعي في قشرة الأرض من خلال عمليات جيولوجية تعود لمليارات السنين، أبرزها تفاعل 'السربنتينية' (serpentinization). يوضح غروتش أن 'الكثير من وشاح الأرض يتكون من صخور غنية بالحديد. عندما تلتقي هذه الصخور بالماء عند درجات حرارة تتراوح بين 200 و350 درجة مئوية، يستخلص الحديد الأكسجين من الماء، مخلفًا وراءه الهيدروجين النقي'.
وفقًا لدراسة أجرتها هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية عام 2024، يُقدر وجود حوالي 5.6 تريليون طن من الهيدروجين في قشرة الأرض. وعلى الرغم من أن معظم هذا الاحتياطي عميق جدًا بحيث يصعب الوصول إليه، فإن استخراج 2% فقط منه سيكون كافيًا لتغطية الطلب العالمي على الهيدروجين لمدة 200 عام. يتسرب الهيدروجين، وهو أخف العناصر، من وشاح الأرض إلى السطح عبر الشقوق، ويتجمع في خزانات من الصخور المسامية مثل الحجر الرملي، محبوسًا تحت طبقات من الصخور الأكثر صلابة.
تبحث عشرات الشركات حول العالم حاليًا عن هذه الخزانات الطبيعية. والمثال الوحيد المعروف حاليًا للاستخراج الفعلي هو قرية بوراكيبوغو في مالي، حيث يتم استخراج الهيدروجين الطبيعي واستخدامه محليًا لتوليد الكهرباء. على الرغم من أن إنتاج البئر في مالي صغير نسبيًا، حوالي 49 طنًا سنويًا، مقارنة بآبار الغاز الأحفوري، إلا أنه يثبت جدوى استخراج الهيدروجين الطبيعي وتجاوز الحاجة إلى تصنيعه.
تؤكد كيت أدي، محللة الطبقات الجوفية في شركة أبحاث الطاقة العالمية وود ماكنزي، أن الهيدروجين الطبيعي يُعد 'مصدرًا متجددًا من الناحية الفنية لأن العمليات التي تنتجه مستمرة باستمرار'، طالما أن معدل الاستخراج لا يتجاوز معدل التكوين.
في بافاريا، يخطط يورغن غروتش لبيع الهيدروجين الطبيعي بسعر تنافسي للغاية، دولار واحد (0.87 يورو) للكيلوغرام، وهو ما يماثل سعر الهيدروجين المصنوع من الوقود الأحفوري. بحلول عام 2030، يهدف إلى استخراج 1000 طن من الهيدروجين الأبيض سنويًا من خزان بافاري يقع على عمق 1500 متر تحت الأرض. سيُستخدم هذا الهيدروجين من قبل الشركات المحلية وشبكات التدفئة، مع خطط إضافية لإنتاج الماء الساخن من نفس الخزانات لتسخين المنازل، مما يوفر شبكة أمان اقتصادية عبر الطاقة الحرارية الأرضية.
ومع ذلك، يواجه غروتش وغيره من الرواد في هذا المجال تحديات قانونية كبيرة. فعدد قليل فقط من البلدان يصنف الهيدروجين الأبيض رسميًا كمورد طبيعي، مما يجعل الحصول على الإعانات الحكومية وتراخيص الحفر أمرًا صعبًا، وهو ما يثني المستثمرين المحتملين. حتى الآن، لم تستثمر شركات النفط والغاز الكبرى إلا في استثناءات قليلة في البحث عن الهيدروجين الطبيعي، مفضلةً ترك الشركات الناشئة تتحمل المخاطر.
تتوقع كيت أدي أنه 'بمجرد أن تتمكن إحدى هذه الشركات الناشئة من إنتاج كمية كبيرة تجاريًا من الهيدروجين الطبيعي، سيكون هناك سباق محموم للاستحواذ على المناطق'. في أفضل السيناريوهات لوود ماكنزي، يمكن إنتاج 20 مليون طن من الهيدروجين الطبيعي سنويًا بحلول عام 2050، وهو ما يمثل 6.7% من إجمالي الطلب المتوقع على الهيدروجين وفقًا لوكالة الطاقة الدولية.
يختتم غروتش، وهو يجمع أدواته في غابات بافاريا، بقوله: 'إنها مغامرة كبيرة. نحن في مرحلة كانت فيها صناعة النفط والغاز قبل 150 عامًا. نحن هنا، نبدأ عصرًا جديدًا في صناعة الطاقة. نأمل ذلك'. هذه الرؤية الطموحة قد تكون مفتاحًا لمستقبل طاقوي أكثر نظافة واستدامة للعالم.
أخبار ذات صلة
- الولايات المتحدة - وكالة أنباء إخباري
- ألمانيا كوجهة استثمارية: نقطة تحول وسط التحديات العالمية
- ألمانيا في مفترق طرق: بين عدم اليقين العالمي وثقة المستثمرين المتجددة – رايش وبليسينغ يدعوان لإصلاحات الموقع
- وزارة الاقتصاد الألمانية تحت المجهر: مزاعم بتفتيش حسابات البريد الإلكتروني للمسؤولين بعد تسريبات
- تسريب "سري للغاية": وزارة الاقتصاد الألمانية فتشت حسابات البريد الإلكتروني للموظفين