القاهرة - وكالة أنباء إخباري
حمام السمرة: نبض التاريخ الذي لم ينطفئ
في حي الزيتون التاريخي بقطاع غزة، حيث تتعايش أصداء الماضي مع ندوب الحاضر، بدأت قصة جديدة تتكشف في أروقة "حمام السمرة" الأثري. لم تعد رائحة التاريخ وحدها هي ما تفوح في هذا المكان، بل اختلطت الآن برائحة الإصرار والأمل، بعد أن انطلقت في فبراير 2026 مبادرة إنقاذ عاجلة لانتشال هذا المعلم التاريخي الذي يقف شامخاً شاهداً على 900 عام من عبق تاريخ غزة، ممتداً عبر العصرين المملوكي والعثماني. هذا الحمام، الذي طالته يد الدمار وفُرض عليه صمت قاسٍ، يوشك أن يستعيد أنفاسه، ليضخ من جديد روح الحياة في عروقه.
يُعد حمام السمرة تحفة معمارية ونموذجاً فريداً للحمامات التقليدية التي كانت تزدهر في المنطقة عبر العصور، وخاصة خلال الحقبة العثمانية. لم يكن مجرد مكان للاغتسال، بل كان ملاذاً للهدوء والاسترخاء، ووجهة سياحية تقدم تجارب فريدة، من جلسات التدليك التقليدية إلى الاستمتاع بالمياه الساخنة ذات الدرجات المتفاوتة. وفوق ذلك، حافظ الحمام على مكانته كمركز للطقوس الاجتماعية الهامة، لا سيما تلك المرتبطة بمراسم الزواج، حيث كان العرسان يحرصون على زيارته كجزء من الاستعداد لليوم الكبير، مما يجعله جزءاً لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي والثقافي للمدينة.
اقرأ أيضاً
- إيمي شعبان تُكرَّم في «دير جيست 2026» عن تجربتها الإعلامية وبودكاست «Emy Talks»
- «زيت وسكر» يفتح النار على أزمة الغلاء.. حسام أبو المجد في مواجهة ساخنة مع «جشع التجار»
- رئيس الوزراء يتابع جهود تحفيز الإنتاج المحلي وتعميق التصنيع الوطني وزيادة الصادرات
- الرئيس السيسى يستقبل مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية
- معهد السلام الأمريكي يقاضي لمنع ترامب من وضع اسمه على مقره
قصة صمود وسعي للحفاظ على الهوية
سليم الوزير، أحد أصحاب الحمام والمُعمر فيه منذ 55 عاماً، يحمل على عاتقه إرث أجداده، مؤكداً أن حمام السمرة ليس مجرد بناء حجري، بل هو جزء حي من الذاكرة الفلسطينية، ومركز لا ينقطع له الزوار، شاهد على عاداتهم وتقاليدهم. لقد عايش الوزير أجيالاً ترتاد المكان، وتركت بصماتها في جدرانه، مما يجعله شاهداً حياً على استمرارية الحياة في غزة.
ولكن، لم تسلم هذه القلعة التاريخية من ويلات الحرب. تعرض حمام السمرة لقصف عنيف، وهو ما يعتبره الفلسطينيون استهدافاً ممنهجاً لمواقعهم التاريخية، وسعياً لطمس هويتهم الثقافية. ففي أواخر عام 2023، ضربت غارات جوية دمرت حوالي 90% من هياكله العلوية، ووضعت الحمام أمام تحدٍ وجودي حقيقي. إن حجم الدمار الذي لحق بالمعلم يضعنا أمام سؤال حول قدرة الإرث الحضاري على الصمود في وجه آلة الحرب.
جهود الترميم: استعادة الألق الضائع
رغم قسوة الدمار، لم تستسلم الروح المعطاءة لغزة. بدأت أعمال الترميم العاجلة، بدعم كريم من جمعية التراث الفلسطيني في بيت لحم. تتجلى هذه الجهود في دقة العمل؛ حيث يتم فرز الأحجار القديمة بعناية فائقة، وترتيبها تمهيداً لإعادة استخدامها في بناء الحمّام كما كان. كما تُبذل جهود حثيثة لاستعادة الأسقف الطينية، التي تشكل جزءاً أساسياً من طابعه المعماري الفريد.
ويعمل الخبراء حالياً على تصنيع قطع فخارية مبتكرة، مستلهمة من الأساليب التقليدية، لإعادة بناء الحمام بنفس هيئته الأصلية، متحدين في ذلك التحديات الكبيرة المتمثلة في توفير المواد الخام اللازمة. إن دقة هذه العملية تعكس الإصرار على الحفاظ على أصالة المكان، وإعادة تقديم الحمام كقطعة فنية حية، وليست مجرد أثر مهدم. يؤكد القائمون على المشروع، والذين يشكلون نواة المقاومة الثقافية، أن الجهود مستمرة بلا هوادة، للحفاظ على هذا المعلم التاريخي العريق، وإعادته إلى مكانته المستحقة كمنارة للتراث الفلسطيني الذي يمتد عبر قرون.
حمام السمرة.. رمز للصمود الثقافي
يحتل حمام السمرة مكانة مرموقة في قائمة المعالم التاريخية في قطاع غزة، حيث يُصنف كثاني أهم معلم بعد الجامع العمري الكبير. هذه الأهمية لا تنبع فقط من قيمته المعمارية والتاريخية البحتة، بل من كونه كان قبل الحرب قبلة حيوية تربط الأجيال بماضيها العريق، وتشكل مساحة مشتركة للذكريات والتجارب. إن ترميم الحمام اليوم ليس مجرد إعادة بناء، بل هو جزء من جهد أوسع وأشمل لتقييم وإعادة تأهيل أكثر من 150 موقعاً أثرياً تعرضت لأضرار متفاوتة في القطاع، تشمل مواقع بارزة أخرى مثل قصر الباشا ودير القديس هيلاريون. هذه المبادرات تعكس وعياً عميقاً بأهمية الحفاظ على الذاكرة الجماعية، وسعياً لضمان أن يظل التراث شاهداً على صمود الشعب الفلسطيني وقدرته على النهوض من تحت الرماد، وإعادة بناء ما دمر، وتعزيز الهوية الوطنية من خلال استعادة معالمها التاريخية.
أخبار ذات صلة
- بابلو باريوس يشعل الأمل في أتلتيكو مدريد: سباق مع الزمن للعودة أمام برشلونة
- قمة العمالقة: تحليل عميق لتشكيلة بايرن ميونخ المتوقعة أمام ريال مدريد في دوري الأبطال
- قمة ميلان ونابولي: نصف ساعة من الحذر التكتيكي والتعادل السلبي يهيمن على 'مارادونا'
- رهان ريال مدريد على مبابي يصطدم بإحصائية بايرن ميونيخ السلبية في دوري الأبطال
- ثغرة Rowhammer تغزو ذاكرة كروت الشاشة: تهديد جديد يطال معمارية NVIDIA Ampere