القاهرة - وكالة أنباء إخباري
تتجه الأنظار الاثنين نحو الجزائر العاصمة، حيث يحط وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز رحاله في زيارة تستغرق يومين، تكتسب أهمية بالغة في سياق العلاقات الجزائرية الفرنسية المتوترة، والتي تشهد جموداً دبلوماسياً غير مسبوق. تأتي هذه الزيارة في ظل قطيعة شبه تامة في الاتصالات بين البلدين منذ أكثر من عام، وتهدف إلى مناقشة حزمة من الملفات الشائكة والحساسة، في محاولة لفتح صفحة جديدة في سجل العلاقات المضطربة بين الشريكين التاريخيين.
تصاعد التوتر الدبلوماسي: جذور الأزمة ومحطاتها
لم تكن العلاقات الثنائية بمنأى عن التقلبات، بل شهدت تدهوراً ملحوظاً تفاقم خلال العامين الماضيين، ووصل إلى حد استدعاء كل طرف لسفيره لدى الطرف الآخر. تعود جذور هذا التوتر إلى عدة قضايا محورية، أبرزها اعتراف فرنسا بسيادة المغرب على الصحراء الغربية في صيف عام 2024، وهو ما يتعارض مع موقف الجزائر الداعم لحق تقرير المصير للشعب الصحراوي. كما زادت حدة الخلافات على خلفية قضايا أخرى، مثل خطف المؤثر الجزائري المعارض للنظام المعروف بـ"أمير دي زد" في أبريل 2024، وتوجيه اتهام قضائي لموظف قنصلي جزائري في فرنسا في أبريل 2025، ثم قرار طرد اثني عشر موظفاً من السفارة الفرنسية في الجزائر بعد أيام قليلة، ما عكس حالة من التدهور العميق في الثقة المتبادلة. وقد ساهمت مواقف وزراء فرنسيين سابقين، مثل برونو روتايو، في زيادة حدة التوتر، خاصة بشأن قضية الكاتب بوعلام صنصال.
اقرأ أيضاً
- هجوم عصابات هايتي: مقتل 47 واختطاف العشرات قرب العاصمة
- اكتشاف طائرة مسيرة ثالثة ومتفجرات عسكرية قرب مطار لايبزيغ الألماني
- كندا تفرض رسومًا جمركية انتقامية على سلع أمريكية بقيمة 27.6 مليار دولار كندي
- وفاة أسطورة موسيقى الكانتري دولي بارتون عن 80 عامًا وتدفق النعي العالمي
- "كاهن المطار": مراجعة لمسلسل نتفليكس الجديد الذي لا يُقاوم
ملف المهاجرين غير النظاميين: نقطة خلاف تاريخية
يعد ملف ترحيل المهاجرين الجزائريين غير النظاميين المقيمين في فرنسا على رأس أجندة نونيز. هذا الملف لطالما شكل نقطة خلاف رئيسية وعقّد العلاقات بين باريس والجزائر، خاصة في عهد وزير الداخلية الفرنسي السابق برونو روتايو الذي اتهمته الجزائر بتبني "لغة القوة" التي لم تفض إلى أي حلول ملموسة. وفي مسعى لإعادة "التوازن" في العلاقات، كما أكد نونيز، تطمح فرنسا إلى تقليص أعداد المهاجرين الذين يأتون لأسباب عائلية واجتماعية، مقابل زيادة عدد المهاجرين لأغراض العمل، الأمر الذي يتطلب مراجعة "اتفاقية 1968" التي تنظم تنقل وإقامة الجزائريين في فرنسا. من جانبها، أبدت الجزائر، على لسان رئيسها عبد المجيد تبون، استعدادها لاستقبال رعاياها، شريطة استنفادهم لجميع حقوق الطعن والاستئناف التي يكفلها القانون الفرنسي، مؤكداً على سيادة القانون في التعامل مع هذه المسألة الحساسة.
قضية الصحفي كريستوف غليز: مطالب بالإفراج وتدخلات وساطة
لا يقل ملف الصحفي الرياضي الفرنسي كريستوف غليز حساسية، حيث يأمل نونيز في إطلاق سراحه وعودته إلى فرنسا. وكان غليز قد أوقف في مايو 2024 أثناء إعداده تقريراً عن نادي شبيبة القبائل، وحُكم عليه بالسجن سبع سنوات بتهمة "الإشادة بالإرهاب". وقد شهدت الأيام الماضية تطوراً لافتاً في هذه القضية، حيث تم نقل غليز من سجن تيزي وزو إلى سجن القليعة القريب من العاصمة، وهي خطوة فسرت كبادرة حسن نية من الجانب الجزائري. كما قامت الوزيرة الاشتراكية الفرنسية السابقة سيغولين روايال بزيارة للجزائر قبل أيام، والتقت الرئيس تبون وتمكنت من زيارة غليز، مقدمة نفسها كوسيط شخصي في محاولة "لإعادة بناء الصداقة بين فرنسا والجزائر"، ما يعكس حجم الضغط الفرنسي بشأن هذه القضية.
التعاون الأمني ومكافحة الإرهاب في الساحل
على صعيد التعاون الأمني، سيتباحث نونيز مع نظيره الجزائري سعيد سعيود قضايا مكافحة الإرهاب، خاصة في منطقة الساحل التي تشكل بؤرة توتر أمني وتلعب فيها الجزائر دوراً محورياً بفضل موقعها الاستراتيجي وخبرتها في مكافحة الجماعات المتطرفة. ويُعد استئناف التنسيق الأمني بين البلدين، الذي أشار إليه نونيز، مؤشراً إيجابياً على إمكانية تحقيق تقدم في هذا الملف الحيوي لأمن البلدين والمنطقة برمتها.
ملفات أخرى وإشارات إيجابية نحو الانفراج
إلى جانب هذه الملفات، من المتوقع أن يناقش نونيز طلبات تسليم تقدمت بها الجزائر إلى فرنسا، وفي مقدمتها فرحات مهني، رئيس حركة "الماك" التي تصنفها الجزائر "منظمة إرهابية". ورغم تعقيدات المشهد، يرى مراقبون أن هناك "إشارات إيجابية" بدأت تلوح في الأفق، كما أشارت النائبة الفرنسية سابرينا صبايحي، ومنها الاتصال الهاتفي المطول بين نونيز وسعيود للتحضير للزيارة، وتصريح الرئيس تبون بـ"مرحباً به"، واستعداد الجزائر لاستقبال رعاياها، ونقل غليز إلى سجن قريب من العاصمة. هذه المعطيات تدعو إلى التفاؤل الحذر بأن المرحلة القادمة قد "تشهد خفضا للتصعيد"، وأن زيارة نونيز قد تمثل فرصة حقيقية لإعادة توجيه بوصلة العلاقات نحو مسار أكثر هدوءاً واستقراراً بعد فترة طويلة من الاضطرابات.
خاتمة: اختبار لإرادة الطرفين ومستقبل العلاقات
في الختام، لا يمكن التقليل من حجم التحديات التي تواجه زيارة وزير الداخلية الفرنسي للجزائر، لكنها تبقى خطوة ضرورية وحاسمة في محاولة لكسر الجمود وإعادة بناء الثقة. إن نجاح هذه الزيارة في تحقيق اختراقات ملموسة، ولو في بعض الملفات، قد يرسم ملامح مرحلة جديدة من الحوار والتعاون، ويطوي صفحة التوتر التي خيمت طويلاً على العلاقات بين الجزائر وفرنسا، ممهداً الطريق لتعاون بناء يخدم مصالح البلدين في منطقة البحر الأبيض المتوسط وما ورائها.
أخبار ذات صلة
- الاتحاد الدولي لألعاب القوى يفتح باب الترشح لاستضافة بطولة العالم للتتابع 2024
- الروح التي لا تقهر: وثائقي 'اركض - قصة فريق الرياضيين اللاجئين' يسرد رحلة أمل
- تadesse Abraham: من لاجئ إلى بطل أولمبي في رياضة الماراثون
- تاتشلويني غبريسوس: رسالة أمل عالمية من رياضي اللاجئين في طوكيو
- روزا لوكونين: "يمكننا أن نمنح الأمل للاجئين الآخرين"