الولايات المتحدة - وكالة أنباء إخباري
'قد ينتظرون شيئًا لا يحدث إلا بعد آلاف السنين': الحياة الخفية 'النائمة' في أعماق الأرض لملايين السنين
في أعماق كوكبنا، تحت سطح الأرض، يكمن عالم خفي وغير مكتشف تقريبًا، موطن لمجموعة مذهلة من الكائنات الحية الدقيقة التي أطلق عليها العلماء اسم "المتأرضين" (Intraterrestrials). هذه الكائنات ليست مجرد ناجين عاديين؛ إنها تعيش في حالة سبات عميق، بعضها لآلاف، وربما مئات الآلاف، أو حتى ملايين السنين. إن فهم كيفية بقاء هذه "المتأرضين" وتطورها في بيئات قاسية للغاية، وما الذي قد يدفعها في نهاية المطاف إلى "الاستيقاظ"، يفتح آفاقًا جديدة في علم الأحياء وعلم تطور الكائنات الحية.
تأتي هذه الرؤى المثيرة من عمل الدكتورة كارين جي. لويد، عالمة الكيمياء الحيوية الميكروبية في جامعة جنوب كاليفورنيا دورنسيف، ومؤلفة كتاب "المتأرضون: اكتشاف أغرب أشكال الحياة على الأرض" (Princeton University Press, 2025). يستكشف كتاب لويد، الذي تم ترشيحه لجائزة القلم/إي. أو. ويلسون للكتابة العلمية الأدبية، فكرة تطور أشكال الحياة التي يمكن أن تبقى في حالة خمول لفترات زمنية جيولوجية هائلة. السؤال المحوري الذي يطرحه هذا البحث هو: كيف يمكن للكائن الحي أن يتطور ليوقف نموه لآلاف السنين، وما هي الإشارات البيئية التي قد تدفعه إلى استئناف نشاطه؟
اقرأ أيضاً
- الريال الإيراني ينهار إلى مستوى قياسي جديد: الدولار يتجاوز 2.5 مليون ريال وسط ضغوط اقتصادية
- آيزنكوت يشكك بتحذيرات نتنياهو الأمنية ويتهمه بتوظيفها انتخابياً
- تفشٍ واسع للحصبة يضرب بنسلفانيا الأمريكية: 4 وفيات وأكثر من 900 إصابة مؤكدة
- غضب ترامب من إطلاق سراح مشتبه بهم في قضية قاعدة فيرفورد: هل تقف إيران وراء الهجوم؟
- اختراق بيانات FBI: أزمة داخلية ومخاوف أمنية تهدد عملاء المكتب
تخيل كائنات دقيقة مدفونة بعمق في رواسب قاع المحيط، معزولة عن ضوء الشمس وتغيرات الفصول. هذه "المتأرضون" لا تعيش وفقًا لإيقاعاتنا اليومية أو الموسمية. بالنسبة لهم، فإن مفهوم "اليوم" أو "السنة" قد يكون بلا معنى. إنهم يعيشون في عالم حيث الزمن يقاس بآلاف السنين، وليس بالساعات أو الأيام. بدلاً من ذلك، قد تستجيب هذه الكائنات لإيقاعات جيولوجية أبطأ بكثير. قد تكون هذه الإيقاعات مرتبطة بحركات الصفائح التكتونية، مثل فتح وإغلاق أحواض المحيطات، أو تكوين وتآكل السلاسل الجبلية والجزر الجديدة. كما يمكن أن تتأثر بتغيرات تدفق السوائل الناتجة عن التشققات البطيئة في قشرة الأرض.
تتحدى هذه الظاهرة فهمنا التقليدي للتطور، الذي غالبًا ما يُفسر من خلال أمثلة مثل تطور مناقير عصافير داروين استجابةً لأنواع البذور المتاحة، أو تغير لون فراء الثعلب القطبي مع تغير الفصول. هذه الأمثلة توضح كيف تتكيف الأنواع أو الأفراد مع التغيرات البيئية قصيرة المدى نسبيًا. ومع ذلك، فإن "المتأرضين" يعيشون في مقياس زمني مختلف تمامًا. يبدو من غير المعقول أن يتكيف طائر أو حشرة مع حدث جيولوجي سيحدث بعد 100 ألف عام أو مليون سنة. ومع ذلك، بالنسبة لكائن حي يعيش ملايين السنين، فإن هذه الأحداث الجيولوجية البطيئة قد تكون هي "الإشارات" التطورية الرئيسية.
تطرح هذه القدرة على البقاء في حالة غير نشطة لفترات طويلة سؤالين أساسيين: أولاً، هل هذه الميكروبات تتكيف تطوريًا لتجنب انقسام الخلايا لآلاف السنين، أم أن هذه الحالة تحدث بمحض الصدفة؟ ثانيًا، إذا كانت كذلك، فكيف يعمل التطور بالنسبة لكائن لا ينتج نسلًا بشكل فعال؟
تحليل الدكتورة لويد يشير إلى أن البقاء على قيد الحياة لمئات الآلاف من السنين يتطلب تكيفًا فسيولوجيًا كبيرًا، ولا يمكن اعتباره مجرد نتيجة ثانوية لحياة سريعة الحركة. إذا كانت هذه الحالة الخاملة عرضية، فيجب أن تحدث حياتهم النشطة في بيئة أخرى. لكن الأبحاث تشير إلى أن أنواع الميكروبات التي توجد في الرواسب تحت سطح البحر غالبًا ما تكون متخصصة في هذا الموئل ولا توجد بكثرة في أماكن أخرى. تشير الأدلة، مثل إنتاج هذه الميكروبات لإنزيمات عالية التخصصية للركائز المتاحة في البيئة تحت السطحية، إلى أنها متكيفة بشكل خاص مع هذه الظروف.
تتكيف هذه الميكروبات أيضًا مع عمليات الأيض البطيئة للغاية وانقسام الخلايا. هذا يعني أنها مهيأة تطوريًا للبقاء في حالة عدم نمو طويلة الأمد. هنا تكمن المعضلة: وفقًا لنظرية التطور بالانتخاب الطبيعي لداروين، يجب أن تنمو الكائنات الحية وتنتج نسلًا جديدًا لتتطور. يحدث التطور لأن الطفرات تحدث أثناء التكاثر، والطفرات المفيدة تزيد من لياقة الكائن الحي، مما يؤدي إلى انتشارها عبر الأجيال. ولكن كيف يمكن أن يحدث هذا في مجتمعات لا تتكاثر؟ كيف يمكن للكائن أن يتكيف مع عدم الإنجاب؟
قد نجد نموذجًا لهذه الظاهرة في السبات الموسمي قصير الأجل. الكائنات التي تدخل في سبات خلال فصل الشتاء تستفيد منه لأنها تحتفظ بأعداد أكبر من الأفراد عند عودة الظروف المواتية في الربيع. هذه الكائنات لديها "بداية" على الآخرين وتستطيع تمرير جيناتها المسؤولة عن السبات إلى جيل أكبر من النسل. هذا مثال واضح على الانتخاب الطبيعي الدارويني.
لكن "المتأرضين" يمثلون تحديًا أكبر. إذا كانت هذه الكائنات تعيش ملايين السنين في حالة خمول، فكيف يمكن للانتخاب الطبيعي أن يعمل؟ هل يمكن أن تكون هناك آليات تطورية غير معروفة تعمل على مستويات زمنية أبطأ بكثير؟ يقترح بعض العلماء أن التطور قد لا يعتمد فقط على الطفرات العشوائية أثناء التكاثر، بل ربما على آليات أخرى، مثل إعادة التركيب الجيني أو حتى نقل الجينات الأفقي، التي قد تحدث حتى في غياب التكاثر الواضح. قد تكون هناك أيضًا مفاهيم جديدة حول "اللياقة" في هذه البيئات المتطرفة، حيث قد يكون البقاء في حالة خمول آمنة لفترة طويلة هو الاستراتيجية الأكثر لياقة.
إن اكتشاف وفهم "المتأرضين" يدعونا إلى إعادة التفكير في تعريفنا للحياة، والتطور، وحتى الزمن نفسه. هذه الكائنات الميكروسكوبية، التي تعيش في سبات عميق تحت أقدامنا، هي شهادة على قدرة الحياة المذهلة على التكيف والبقاء في ظل الظروف الأكثر تطرفًا، وتذكرنا بأن الكون، حتى على كوكبنا، لا يزال مليئًا بالأسرار العميقة التي تنتظر من يكتشفها.