القاهرة - وكالة أنباء إخباري
في خطوة ذات أبعاد تاريخية وغير مسبوقة منذ احتلالها للضفة الغربية عام 1967، صادقت الحكومة الإسرائيلية، الأحد، على مشروع قرار يقضي ببدء عملية تسوية وتسجيل شاملة للأراضي في الضفة الغربية المحتلة. يمثل هذا القرار تحولًا جذريًا في السياسة الإسرائيلية، ويفتح الباب أمام تغييرات ديموغرافية وقانونية واسعة النطاق، مثيرًا موجة من القلق والتحذيرات الدولية والفلسطينية حول تداعياته المحتملة على فرص السلام وحل الدولتين.
خلفية تاريخية: جمود دام 57 عامًا
منذ عام 1967، تاريخ احتلال إسرائيل للضفة الغربية، توقفت عمليات تسوية وتسجيل الأراضي في معظم أنحاء المنطقة، باستثناء بعض الحالات المحدودة والمناطق التي تم ضمها أو اعتبارها جزءًا من القدس. كانت عمليات التسوية، التي تشمل تحديد الملكية وتوثيقها رسميًا في سجلات الأراضي، تتم في عهد الانتداب البريطاني ثم الأردن قبل عام 1967. بعد الاحتلال، أبقت إسرائيل على الوضع القائم إلى حد كبير، معتمدة على سجلات الأراضي العثمانية والأردنية، وواضعةً يدها على مساحات واسعة من الأراضي التي تُصنف كـ "أراضي دولة" أو "أراضي بغير مالك" بموجب تفسيرها للقانون، مما أتاح لها التوسع الاستيطاني.
اقرأ أيضاً
- قناة ثمانية بجودة HD: تعرف على ترددها الجديد على عرب سات واستقبل البث الآن
- تردد قنوات أون تايم سبورت: دليلك الشامل لمتابعة الدوري المصري والبطولات المحلية
- تردد قنوات أون سبورت الجديد: انطلاق الدوري المصري الممتاز 2026-2027 وتغطية حصرية
- الملك سلمان وولي العهد يهنئان ملك المغرب بذكرى يوم الشباب المجيد
- السديس يدعو لإحياء السيرة النبوية: أساس العز والنصر والتمكين للأمة
إن قرار الأحد يكسر هذا الجمود الذي استمر لأكثر من خمسة عقود، ويعكس إصرارًا إسرائيليًا على ترسيخ سيطرتها على الأراضي الفلسطينية. يُنظر إليه على أنه استكمال لسياسات سابقة مثل شرعنة البؤر الاستيطانية العشوائية، وتوسيع المستوطنات القائمة، لكنه يأتي هذه المرة بغطاء قانوني وإداري أوسع نطاقًا يهدف إلى تغيير الوضع القانوني للأراضي بشكل جذري.
مضمون القرار وتداعياته القانونية
يهدف مشروع القرار إلى "تسوية" و"تسجيل" الأراضي، وهي عملية تتضمن مسحًا وتحديدًا دقيقًا لقطع الأراضي، وتوثيق ملكيتها في السجلات الرسمية. على السطح، قد تبدو هذه العملية إدارية بحتة تهدف إلى تنظيم الأراضي ومنع النزاعات، إلا أن تطبيقها في سياق الاحتلال يحمل دلالات خطيرة. ففي ظل القانون الدولي، تُعتبر الضفة الغربية أرضًا محتلة، وأي تغيير في تركيبتها الديموغرافية أو القانونية من قبل القوة المحتلة يُعد غير قانوني.
يخشى الفلسطينيون والمنظمات الحقوقية أن تُستخدم هذه العملية لتأكيد السيطرة الإسرائيلية على الأراضي، وربما مصادرتها بحجة عدم وجود وثائق ملكية واضحة، أو لتسهيل توسيع المستوطنات والبنية التحتية الإسرائيلية. يمكن أن يؤدي هذا إلى حرمان الفلسطينيين من أراضيهم التي يمتلكونها منذ أجيال، وخاصة أولئك الذين لا يملكون وثائق رسمية حديثة أو الذين فقدوا وثائقهم بسبب النزاعات والحروب المتتالية. كما يمكن أن يُستخدم القرار لتثبيت ملكية المستوطنين لأراضٍ يزعمون أنها كانت "يهودية" تاريخيًا، أو لتسجيل أراضٍ تقع ضمن مناطق مصنفة "ج" والتي تخضع للسيطرة الإسرائيلية الكاملة.
التحركات السياسية وردود الفعل المتوقعة
من المتوقع أن يثير هذا القرار إدانات واسعة من السلطة الفلسطينية التي تعتبره جزءًا من سياسة الضم الزاحف، وتقويضًا ممنهجًا لأي حل سياسي للصراع. من المرجح أن تدعو السلطة الفلسطينية المجتمع الدولي للتدخل والضغط على إسرائيل للتراجع عن هذه الخطوة التي تضرب بعرض الحائط القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة.
على الصعيد الدولي، من المرجح أن تعرب الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وعدد من الدول عن قلقها الشديد، مؤكدين على أن أي تغيير في الوضع القانوني للأراضي المحتلة هو انتهاك للقانون الدولي. قد تزداد الدعوات للضغط على إسرائيل لوقف هذه الإجراءات التي تعيق جهود السلام وتزيد من التوتر في المنطقة. أما الولايات المتحدة، فموقفها قد يكون أكثر تعقيدًا، مع تباين في المواقف بين الإدارات المختلفة، لكنها غالبًا ما تعبر عن معارضتها للخطوات أحادية الجانب التي تقوض حل الدولتين.
مستقبل حل الدولتين ومخاطر التصعيد
يعتبر العديد من المحللين أن هذا القرار يمثل مسمارًا آخر في نعش حل الدولتين، حيث يجعل إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة على حدود عام 1967 أمرًا أكثر صعوبة إن لم يكن مستحيلاً. فمع كل خطوة لتسوية وتسجيل الأراضي لصالح السيطرة الإسرائيلية، تتقلص المساحات المتاحة للتنمية الفلسطينية وتزداد عزلة المجتمعات الفلسطينية.
من شأن هذه الخطوة أن تزيد من حدة التوترات في الضفة الغربية، وتؤجج مشاعر الغضب والإحباط لدى الفلسطينيين، مما قد يؤدي إلى تصعيد في المواجهات والعنف. إن عملية تسوية وتسجيل الأراضي هي عملية طويلة الأمد، ولكن بدءها الآن يشير إلى نية إسرائيلية واضحة لترسيخ وجودها وسيطرتها على الأراضي المحتلة بشكل دائم، مما يضع تحديات جسيمة أمام أي مساعٍ مستقبلية لتحقيق سلام عادل وشامل في المنطقة.