القاهرة - وكالة أنباء إخباري
رفض "كريم" اختزال معاناته لمواءمة الروايات الجاهزة
في قصة فازت بالمرتبة الأولى في مسابقة الجزيرة لأفضل قصة صحفية إنسانية، يكشف الصحفي السوري "كريم" (اسم مستعار) عن صراع مرير يخوضه مع آخرين ممن نجوا من بطش الحرب، حين تتحول معاناتهم الإنسانية إلى مادة قابلة للتفكيك والاختزال في سرديات جاهزة. فبعد نجاته من الاعتقال في سوريا ووصوله إلى أوروبا، وجد "كريم" نفسه أمام محاولات لإعادة صياغة تجربته بما يتلاءم مع توقعات الجمهور الغربي، عبر التركيز على جانب محدد من حكايته وإهمال بقية السياق الأوسع لألمه. هذا التوجه، الذي يهدف إلى تقديم قصة "قابلة للتسويق"، قوبل برفض قاطع من "كريم" الذي تمسك بروايته الكاملة، رافضاً أن تُختزل ذاكرته وتُسلب خصوصيتها وجوهرها.
من أقبية الأمن إلى فن "التسويق" للحكايات
على أريكة مريحة في شقة صديقه ببرلين، بدت الجلسة الإنسانية الأولى مع مخرج ألماني وكأنها فرصة لتخفيف وطأة ماضٍ أليم. المخرج، الذي جاء بدعوة من صديق مشترك، بدا مفتوناً بملامح "كريم" التي لا تزال تحمل آثار اضطراب ما بعد الصدمة، نتيجة أشهر الاعتقال الطويلة ومسارات التهريب الوعرة منذ خروجه من سوريا في صيف 2016. لكن سرعان ما تحول اللقاء الودي إلى مواجهة ثقافية وفنية، حيث تحدث المخرج بلغة "الفن" التي تبحث عن أقصر الطرق لقلب الجمهور، مقترحاً التركيز على فترة اعتقاله لدى تنظيم "داعش"، معتبراً أن هذه الزاوية هي الأكثر قابلية للتماهي والفهم لدى المتلقي الأوروبي، بعيداً عن تعقيدات الصراعات المحلية والدهاليز السياسية التي قد تشتت انتباهه.
اقرأ أيضاً
- سبيس إكس تطلق مشروع ميناء فضائي ثانٍ "ستاربيس" بـ100 مليار دولار في لويزيانا
- "Stability AI" تجمع 76 مليون دولار لدعم "Stable Diffusion" وتعزيز الذكاء الاصطناعي التوليدي
- إنستغرام تطلق ميزة «المسودة الأولى» لتبسيط تحرير مقاطع Reels
- أفضل الأجهزة الذكية للمكتب المنزلي: دليلك لبيئة عمل عصرية وفعالة
- آبل تستعد لإطلاق هاتفها القابل للطي.. لكن هل يريده الأمريكيون؟
توقف "كريم" عن تحريك السكر في كوبه، شعر ببرود يسري في الجلسة، وأدرك أن المخرج لا يريد "قصته"، بل يريد "الزاوية" التي تبيع الحكاية. بلمسة هادئة، أزاح الميكروفون وصرّح لصديقه قائلاً: "أخبره.. أن الألم لا يحتاج إلى مترجم لكي يُفهم، وإذا كان الآخر بحاجة لجلادٍ بمواصفات خاصة لكي يشعر بوجعي، فأنا لست الشخص المناسب لفيلمكم". بهذه الكلمات، سقط القناع الودي عن الجلسة، وكشفت عن جوهر المطروح: اختزال تجربته لتقديمها كوجبة سهلة الهضم للمشاهد الغربي.
"كريم": الكلمة كسلاح والذاكرة كشاهد
يُعرّف "كريم" نفسه بهذا الاسم المستعار، ليضع فاصلاً أخلاقياً بين حياته الجديدة وقصة ألم لا يريدها أن تلتصق بمستقبله. في الأربعين من عمره، قادمٌ من قرى شرق سوريا المنسية، يحمل هدوءاً حذراً، إدراكاً منه أن قصته، رغم تقاطعها مع آلاف القصص الأخرى، لا تلغي خصوصية وجعه. لم يحمل يوماً سلاحاً، بل كانت كلمته هي سلاحه لتوثيق وجع ناسه. في بلدٍ يُجرّم الكلمة، تحولت مواقفه وآراؤه التي جهر بها إلى صك اعتقال. يتذكر بمرارة كيف عُدت منشوراته العفوية على فيسبوك، المنتقدة لممارسات النظام السوري، جرماً لا يُغتفر لدى المحققين. في أقبية الفروع الأمنية، ذاق صنوفاً من التعذيب النفسي والجسدي، الذي كان يتضاعف حين يكتشف المحققون أن ضحيتهم "كاتبٌ" يجرؤ على التعبير.
لقد حاول الجلادون إذلاله لشهور لكسر روحه التي حلمت بالتغيير خلف شاشة حاسوب، قبل أن تُرمى في غياهب مظلمة. اليوم، معركته الشخصية هي انتزاع حقه في الوجود خارج سياق أوراق اللجوء، متمسكاً بروايته الكاملة غير المنقوصة. يعيش "كريم" اليوم في "كامب" بألمانيا منذ عام 2024، محاطاً بجدران مؤقتة، لكنه يحتفظ في حقيبة ظهره بدفتر مذكرات، زواياه مهترئة ومغبرة بفعل التنقل. هذا الدفتر، الذي بدأه في أولى محطات لجوئه، هو متنفسه لتفريغ ثقل ما عاشه، ويُمثل وسيلته الفردية لامتلاك حكايته وترميم هويته بعيداً عن كونه مجرد ملف إحصائي بارد ينتظر الموافقة.
رفض "الفلترة النفعية" للمعاناة
في سوريا، كانت الحرب مواجهة يومية مع تلاشي الوجود. في الأقبية المظلمة، خبر "كريم" اعتقاله الأول، تلك التجربة التي استهدفت كرامته وجوهره الإنساني قبل أي شيء آخر. هذا الاعتقال، الذي غُيّب فيه لأنه اختار ألا يكون صامتاً، شكّل وعيه بما تعنيه الاستهداف من منظومة قمعية. كان ذلك السجن هو الجرح الغائر الذي نبتت منه بقية المآسي، وهو ما جعل محاولة المخرج في برلين للقفز فوق هذه المرحلة والتركيز حصراً على "داعش" تبدو له إهانة شخصية ومحاولة لتبديد حقيقته التاريخية.
عندما عبر الحدود نحو غازي عنتاب، ظن "كريم" أنه ترك مراكز الاحتجاز خلفه، لكنه واجه حصاراً من نوع آخر: نظرات ريبة ورحلة بحث مضنية عن سكن. بحكم خلفيته الصحفية، بدأ العمل مع جهة حقوقية لرصد الانتهاكات، لكن التباين في الاهتمام بدأ يظهر حين تحول من "موثق" إلى "موضوع للتوثيق". في جلسة لسماع شهادته، انصب تركيز الباحث القانوني بشكل مكثف وحصري على تفاصيل اعتقاله لدى "داعش"، مقابل مرور عابر على سجنه لدى النظام السابق، وكأنه تفصيل ثانوي. هذه التجربة تتقاطع مع انتقادات وجهها ناشطون حقوقيون لآليات التوثيق التي كثيراً ما تخضع لأولويات الممولين أو الأجندات القانونية السائدة، مما يفضي إلى تسليط الضوء على جلاد بعينه وترك الصورة الأوسع للمعاناة منقوصة.
في غازي عنتاب، استشعر "كريم" بمرارة أن وجعه قد يخضع لعملية "فلترة نفعية". ذكريات تلك الجلسة التوثيقية والأسئلة الموجهة طفت على سطحه وهو يجلس في برلين. حين بدأ المخرج الألماني حديثه عن "التركيز على داعش"، لم يشعر بالمفاجأة، بل بخيبة مألوفة، فالرغبة في "الاقتطاع" التي واجهها في تركيا، عادت تطل من جديد متخفية بلباقة. بعد تلك الجلسة، انتهى اللقاء بمصافحة رسمية باردة. أدرك "كريم" أن المخرج لم يأتِ ليوثق قصة ناجٍ، بل ليبحث عن "مادة خام" لفيلم معدّ سلفاً. الوفاء لذكرى رفاقه الذين غيبتهم سجون النظام كان أهم من المشاركة في فيلم يقتطع من وجعه ما يروق للمشاهد فقط.
نجاة مزدوجة وواقع مؤجل
لم يتصل المخرج ثانية. تحول الحماس إلى صمت مطبق، وسقط اسم "كريم" من قائمة "الخيارات المتاحة" ما إن قرر ألا يكون حكواتياً يفصّل وجعه على مقاس العرض. أدرك أن الاهتمام بـ"الصحفي الناجي" كان مرتبطاً بمدى ملاءمة مأساته للصورة النمطية المطلوبة. حين أصر على عدم تفكيك حكايته انتقائياً، فقدت قصته "جاذبيتها التسويقية". تمسكه بوحدة معاناته جعله "صعباً" في نظر منظومة تبحث عن حكايات مريحة وبسيطة.
لم يحزن "كريم" لهذا الصمت، بل منحه تأكيداً على أنه نجا مرتين: مرة من السجن، ومرة من تحويل وجعه إلى سلعة. لكن هذه النجاة المعنوية تصطدم بواقع مادي خشن. عودته إلى "الكامب" تذكره بأنه لا يزال رهين انتظار طويل. في المساحة التي يتقاسمها مع سبعة آخرين، يتردد صدى القلق من "قرار إداري" قد ينهي كل شيء، محولاً نصر "كريم" الأخلاقي إلى مواجهة يومية مع قوانين لا تعترف إلا بالأرقام. هذه الحالة المأزومة ليست وجعاً شخصياً معزولاً، بل هي الانعكاس الحي لواقع إحصائي يزداد قتامة، خلف الأبواب الموصدة للمكتب الاتحادي المعني.
أخبار ذات صلة
- مدرب الاتحاد: المركز الخامس ليس طموحنا لكنه واقع الموسم الحالي
- ميلان يسقط أمام أتالانتا بثلاثة أهداف ويُعقد موقفه الأوروبي
- باريس سان جيرمان يؤمن لقب الدوري الفرنسي الرابع عشر
- طارق عبدالله: ضمك متمسك بالبقاء في دائرة المنافسة رغم خسارة الاتحاد
- برشلونة يتقدم على ريال مدريد بثنائية في الشوط الأول بالكامب نو