تُعد النسخة الثانية من كأس العالم لكرة القدم، التي أقيمت عام 1934 في إيطاليا، محطة مفصلية في تاريخ البطولة، ليس فقط على الصعيد الرياضي، بل أيضاً على الصعيد السياسي والاجتماعي. لقد ألقت الأجواء المشحونة بالتوتر السياسي في أوروبا، لا سيما مع صعود الأنظمة الشمولية، بظلالها على هذه البطولة التي شهدت تتويج أصحاب الأرض، بقيادة المدرب الأسطوري فيتوريو بوتسو، بلقبهم العالمي الأول. ولم تكن هذه البطولة مجرد منافسة كروية، بل تحولت إلى منصة دعائية للنظام الفاشي بقيادة بينيتو موسوليني، الذي سعى لاستغلال النجاح الرياضي لتعزيز صورته وتعزيز أيديولوجيته. في هذا السياق، خرجت أمريكا الجنوبية بخفي حنين، بينما سجلت مصر حضوراً تاريخياً كأول دولة أفريقية وعربية تشارك في النهائيات، رغم إقصائها المبكر.
ظلال السياسة على أرض الملعب: إيطاليا 1934
شهدت كأس العالم 1934 ابتكاراً مهماً تمثل في إقامة التصفيات للمرة الأولى، بهدف تحديد هوية المنتخبات الـ16 المتأهلة. أقيمت المباريات في ثماني مدن إيطالية مختلفة، بدلاً من الاقتصار على مدينة واحدة كما حدث في نسخة 1930. ومن السمات المميزة لهذه البطولة، النقل الإذاعي المباشر للمباريات عبر 12 دولة مشاركة، مما ساهم في توسيع قاعدة المتابعين وتعميق الشغف بكرة القدم. وعلى غرار ما حدث في الأوروغواي، نجح المنتخب المضيف في الظفر باللقب، حيث سجل رايموندو أورسي وأنجيلو سكيافيو هدفي الفوز لإيطاليا في مرمى تشيكوسلوفاكيا بنتيجة 2-1 بعد الأشواط الإضافية في المباراة النهائية التي أقيمت في روما. اكتفى المنتخب التشيكوسلوفاكي، الذي قدم أداءً قوياً وتخطى ألمانيا بنتيجة 3-1 في نصف النهائي، بالمركز الثاني، وحصل مهاجمه أولدريتش نييدلي على لقب هداف البطولة برصيد خمسة أهداف.
بعد النجاح النسبي للنسخة الأولى، تقدم 32 منتخباً للمشاركة في التصفيات، مما فرض على إيطاليا خوض مباراة ضد اليونان لتأمين مشاركتها على أرضها. ومن الجدير بالذكر أن منتخب الأوروغواي، بطل النسخة الأولى، لم يدافع عن لقبه، وذلك كرد فعل على رفض إيطاليا المشاركة في مونديال 1930. كما شهدت البطولة خروجاً مبكراً لمنتخبي البرازيل والأرجنتين، اللذين شاركا بتشكيلات رديفة، حيث اكتفى كل منهما بخوض مباراة يتيمة، مما أدى إلى غلة متواضعة للممثلين الجنوب أمريكيين في هذه النسخة.
اقرأ أيضاً
- 4 طرازات.. ما السيارات التي يتوقع أن تصنعها تويوتا في مصر؟
- حكم المحكمة الدستورية العليا بشأن الإيجار القديم؟ والمستأجرون يتمسكون بامتداد العقود
- هل سيبقي التوك توك علي الطرقات وهل ينهي قرار 533 أزمة بلطجية التوك توك
- جيمس بوند الحقيقي: الجاسوس الذي غير تاريخ الحرب العالمية الثانية
- هل هدد الأسطول البحري الأميركي الحدود المصرية يوما ً ؟
مصر تصنع التاريخ: أول مشاركة أفريقية وعربية
شكلت مشاركة منتخب مصر في كأس العالم 1934 حدثاً تاريخياً بامتياز، حيث كانت أول دولة أفريقية وعربية تبلغ النهائيات. على الرغم من أن رحلة الفراعنة انتهت مبكراً بخسارتهم أمام المجر بنتيجة 2-4، إلا أن تسجيل عبد الرحمن فوزي لهدفي مصر في تلك المباراة ترك بصمة لا تُنسى. اعتمدت البطولة نظام خروج المغلوب من مباراة واحدة، وهو ما زاد من صعوبة المنافسة وأدى إلى إقصاء العديد من المنتخبات بعد مباراة واحدة.
رحلة إيطاليا الشاقة نحو اللقب: تحديات وانتصارات
لم تكن طريق المنتخب الإيطالي نحو اللقب مفروشة بالورود. ففي ظل اعتماد نظام إعادة المباراة في حال التعادل بعد نهاية الوقت الأصلي والإضافي، خاض الفريق الإيطالي ما مجموعه 210 دقائق في أقل من 24 ساعة في مباراته ضد إسبانيا في الدور ربع النهائي، والتي انتهت بالتعادل 1-1 قبل أن يحسمها الإيطاليون بهدف نظيف في المباراة الإعادة. وقد تأثر المنتخب النمساوي، الذي كان يُلقب بـ "فريق المعجزات" (Wunderteam)، بهذا النظام أيضاً، حيث سقط أمام إيطاليا بهدف وحيد في الدور نصف النهائي. في المقابل، نجح المنتخب التشيكوسلوفاكي في تخطي عقبة ألمانيا بنتيجة 3-1. ومن الجدير بالذكر أن بعض لاعبي المنتخب النمساوي تم تجنيدهم لاحقاً ضمن صفوف المنتخب الألماني بعد ضم النمسا إلى ألمانيا عام 1938 بقرار من أدولف هتلر.
قبل مواجهة فرنسا في الدور ثمن النهائي، والتي فازت بها إيطاليا بنتيجة 3-2، وجه مدرب المنتخب الفرنسي تعليمات مشددة للاعبيه بمراقبة المهاجم النمساوي الشهير ماتياس سينديلار، المعروف بلقب "الورقة" (Der Papierene)، حيث قال لهم: "إذا ذهب سينديلار إلى المرحاض، الحقوه إلى هناك". توفي سينديلار في ظروف غامضة عام 1939 عن عمر يناهز 35 عاماً، بعد أن رفض اللعب مع المنتخب الألماني النازي.
بصمة موسوليني: دعاية سياسية عبر الرياضة
لم يغب الدور الذي لعبه النظام الفاشي الإيطالي بقيادة بينيتو موسوليني عن هذه البطولة. فمنذ وصوله إلى الحكم عام 1922، سعى موسوليني إلى استغلال كل فرصة لتعزيز صورته وتعزيز دعاية الفاشية. وكانت استضافة كأس العالم فرصة ذهبية له لتحقيق ذلك، حيث تم توظيف النجاح الرياضي للمنتخب الإيطالي كأداة للتمجيد بالنظام وإظهار قوته وعظمته. وقد حضر موسوليني شخصياً المباراة النهائية، مما أضفى عليها طابعاً سياسياً واضحاً.
النهائي المثير: أورسي وسكيافيو يصنعان التاريخ
في المباراة النهائية، واجه المنتخب الإيطالي "الأزوري"، بقيادة نجميه جوزيبي مياتسا وأنجيلو سكيافيو، وبتشكيلة تضم سبعة لاعبين مولودين خارج إيطاليا، منتخب تشيكوسلوفاكيا أمام 55 ألف متفرج، يتقدمهم موسوليني. تقدم الضيوف بهدف سجله الجناح أنتونين بوتش في الدقيقة 69، مما فرض صمتاً مطبقاً على الملعب. إلا أن "مومو" أورسي، الذي حمل ألوان الأرجنتين سابقاً، تمكن من إعادة الأمور إلى نصابها بتسجيل هدف التعادل في وقت متأخر من المباراة، ليحتكم المنتخبان إلى الأشواط الإضافية. وبعد خمس دقائق فقط من بداية الشوط الإضافي الأول، أطلق "أنجولينو" سكيافيو رصاصة الرحمة بتسجيله الهدف الثاني، لينفجر الملعب فرحاً بتتويج إيطاليا باللقب.
اشتهر سكيافيو، الذي عمل في تجارة الملابس مع أشقائه بعد وفاة والده في سن مبكرة، ولعب كامل مسيرته الاحترافية مع نادي بولونيا على مدى 16 عاماً، على الرغم من اهتمام أندية كبرى مثل يوفنتوس وإنتر ميلان به. وقد كشف سكيافيو لاحقاً عن عرض تلقاه من رئيس إنتر ميلان، حيث عرض عليه متجراً بحجم متاجر عائلته في غاليريا ميلانو، إلا أن سكيافيو رفض العرض، مؤكداً أن العمل مع عائلته واللعب مع فريقه أهم من المال.
قصص فريدة: مونتي وبوتسو
شهدت المباراة النهائية أيضاً مشاركة اللاعب الإيطالي لويس مونتي، الذي كان قد خسر نهائي كأس العالم قبل أربع سنوات مع منتخب الأرجنتين. هذه الحادثة الفريدة جعلت منه لاعباً الوحيد الذي لعب نهائيين عالميين مع منتخبين مختلفين. وقد سحب المدرب فيتوريو بوتسو فتيل الكره المتبادل بين سكيافيو ومونتي، اللذين كانا يتنافسان بعنف في مواجهات بولونيا ويوفنتوس، عندما وضعهما في غرفة واحدة لمدة شهرين قبل انطلاق النهائيات، مما أدى إلى تقوية علاقتهما.
أما المدرب فيتوريو بوتسو، الصحافي السابق الملقب بـ "المايسترو العجوز" (Il Vecchio Maestro)، فقد أظهر براعة استثنائية في إدارة الفريق. ومن القصص الطريفة عنه، أنه أقنع حارساً عجوزاً بتأجيل اعتزاله، وكان يعاني من إدمان الشراب، ليصبح أحد أهم لاعبي الفريق. كما نجح في استقطاب لاعب الوسط العنيف أتيليو فيراريس، الذي تم طرده من نادي العاصمة لأسباب انضباطية، حيث وجده في حانة في روما وعرض عليه فرصة اللعب في كأس العالم، ليعود فيراريس إلى تشكيلة المنتخب ويصبح "الأفضل لياقة" بين زملائه، حسب وصف بوتسو.
أخبار ذات صلة
- إلغاء سباق كران مونتانا للتزلج بعد سقوط الأسطورة الأمريكية ليندسي فون
- سامسونج تكافئ إدارتها العليا بأسهم بقيمة 122 مليون دولار
- تقرير يكشف تحالفات غير متوقعة وصراع العمالقة على الـ AI وأشباه الموصلات
- رسالة غامضة تثير القلق داخل AWS: هل تستعد أمازون لجولة تسريحات جديدة؟
- أقنعة وكاميرات وأوامر تفتيش.. الديمقراطيون يطلبون تغييرات أمنية شاملة