إخباري
الثلاثاء ٣٠ يونيو ٢٠٢٦ | الثلاثاء، ١٥ محرم ١٤٤٨ هـ
عاجل

أدمغة الرضع تتبع الإيقاع منذ الولادة: دراسات جديدة تكشف عن قدرات إدراكية مبكرة

قدرة الرضع على تصنيف الصور وتمييز التغيرات في الإيقاعات المو

أدمغة الرضع تتبع الإيقاع منذ الولادة: دراسات جديدة تكشف عن قدرات إدراكية مبكرة
عبد الفتاح يوسف
2026-02-08
1

الولايات المتحدة - وكالة أنباء إخباري

أدمغة الرضع تتبع الإيقاع منذ الولادة: دراسات جديدة تكشف عن قدرات إدراكية مبكرة

لطالما ساد اعتقاد راسخ في الأوساط العلمية، استمر لأكثر من قرن، بأن تجربة الرضع الأولى في الحياة هي مزيج من "الارتباك المزدهر والضبابي"، كما وصفها الفيلسوف وعالم النفس الشهير ويليام جيمس. إلا أن الأبحاث الحديثة بدأت ترسم صورة مغايرة تمامًا، تشير إلى أن حديثي الولادة يمتلكون بالفعل مجموعة أدوات عصبية متطورة بشكل مدهش، تمكنهم من تنظيم العالم البصري إلى فئات محددة والتقاط الإيقاع الأساسي للأغنية. تكشف دراستان علميتان جديدتان عن هذه القدرات المبكرة، مما يفتح آفاقًا جديدة لفهم تطور الدماغ البشري.

في الدراسة الأولى، نجح فريق من علماء الأعصاب في تحقيق إنجاز نادر: إجراء مسح بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) على أكثر من 100 رضيع في عمر شهرين، وهم مستيقظون، بهدف فهم كيفية تصنيف أدمغتهم للأشياء المرئية. تتطلب تقنية fMRI ثباتًا شبه تام، مما يجعل مسح الرضع مهمة شاقة للغاية. أثناء استلقاء الرضع داخل الأجهزة، عُرضت عليهم صور لمجموعة متنوعة من الأشياء المألوفة، مثل الحيوانات، الأطعمة، والأدوات المنزلية، والتي ظهرت فوق رؤوسهم كأنها "آي ماكس للأطفال"، على حد تعبير كليونا أودوهيرتي، عالمة الأعصاب التنموية في جامعة ستانفورد، التي أجرت العمل في كلية ترينيتي في دبلن.

تُعد صعوبة إجراء مسح الرنين المغناطيسي أمرًا معروفًا حتى في الظروف "المثالية" عندما يتمكن المشاركون من اتباع التعليمات بالبقاء ثابتين. لكن مع الرضع الذين لا يمكنهم تلقي التعليمات، يتطلب الأمر صبرًا استثنائيًا من الباحثين، كما أشار سكوت جونسون، عالم النفس التنموي في جامعة كاليفورنيا، لوس أنجلوس، والذي لم يشارك في الدراسة. أظهرت صور الرنين المغناطيسي أن منطقة الدماغ المسؤولة عن التعرف على ما نراه، والمعروفة باسم القشرة البصرية البطنية (ventral visual cortex)، أظهرت استجابات مشابهة لتلك لدى البالغين، وفقًا لما نشره أودوهيرتي وزملاؤها في مجلة Nature Neuroscience. في كل من البالغين والرضع بعمر شهرين، كان نشاط هذه المنطقة الدماغية مميزًا لفئات مختلفة من الأشياء، مما يتعارض مع الرأي التقليدي القائل بأن الدماغ يتعلم تدريجيًا التمييز بين الفئات المختلفة على مدار فترة التطور.

يقول مايكل فرانك، عالم النفس المعرفي في جامعة ستانفورد، الذي لم يشارك في البحث، إن هذه النتائج "تجادل ضد تطور بطيء وتدريجي لتمثيلات الفئات البصرية". وأضاف أن الدراسة تطرح سؤالًا استفزازيًا: هل هذه البنية هي نتيجة للتعلم السريع في الأسابيع الثمانية الأولى بعد الولادة، أم أنها فطرية؟ هذا التساؤل يحفز المزيد من البحث حول الأساس البيولوجي للإدراك البصري المبكر.

أما الدراسة الثانية، فتكشف عن قدرة أخرى مذهلة لدى حديثي الولادة، حتى في وقت مبكر جدًا من التطور. ففي غضون أقل من 48 ساعة بعد الولادة، أظهرت أدمغة حديثي الولادة، أثناء النوم، قدرة على تتبع وتوقع الأنماط الإيقاعية في الموسيقى، حسبما أفاد باحثون في مجلة PLOS Biology. أجرى باحثون في المجر تجربة عزفوا فيها مقطوعات بيانو لباخ على ما يقرب من 50 رضيعًا حديث الولادة، بينما كانوا يسجلون نشاط أدمغتهم باستخدام تخطيط كهربية الدماغ (EEG). بالإضافة إلى التسجيلات الأصلية لباخ، قام الفريق أيضًا بتشغيل نسخ معدلة من كل مقطوعة، حيث تم أحيانًا تشويش الإيقاع أو اللحن. ثم بحث الفريق عن أنماط المفاجأة في التسجيلات العصبية باستخدام نموذج حسابي، والتي من شأنها أن تشير إلى أن الرضع قد تعلموا بنية الموسيقى وأن توقعاتهم قد تم كسرها.

أظهرت النتائج أن الإيقاع المعدل أحدث مفاجأة عصبية، بينما لم يلاحظ دماغ الرضع تشويش اللحن. ببساطة، أدمغة الرضع قادرة على تتبع الإيقاع، لكنها لا تستطيع متابعة اللحن. هذا الاكتشاف منطقي إلى حد كبير. "في الرحم، تكون السمات الإيقاعية سائدة بالفعل في البيئة السمعية للجنين"، كما أوضحت روبرتا بيانكو، عالمة الأعصاب التي قادت الدراسة. وأضافت أن "صوت دقات قلب الأم، وحركة الأم، وأي معلومات إيقاعية تمر عبر السائل الأمنيوسي". ومع ذلك، فإن السائل الأمنيوسي يخفف من حدة النغمات المحددة، مما يعني أن الأجنة تتعرض لأنماط لحنية أقل أثناء وجودهم في الرحم. هذا يفسر لماذا قد تكون أدمغتهم مهيأة بشكل أفضل لاستقبال الإيقاع.

ومع ذلك، تشدد إيرين هانون، عالمة النفس في جامعة نيفادا، لاس فيغاس، والتي لم تشارك في الدراسة، على أنه "من المهم أيضًا أن نتذكر أن القدرة على تتبع الدورات الإيقاعية في الموسيقى عصبيًا لا تعادل بالضرورة إدراكًا موسيقيًا غنيًا للإيقاع أو الوزن". وأشارت إلى أن العديد من الدراسات تشير إلى أن الأطفال يحتاجون إلى وقت طويل ليصبحوا بارعين في الرقص أو التحرك مع الموسيقى، أو لمطابقة إيقاع طبل أو ميترونوم مع الموسيقى بشكل صحيح. هذا يعني أن القدرة الأساسية على تتبع الإيقاع لا تترجم تلقائيًا إلى مهارات موسيقية معقدة.

في حين أن كلتا الدراستين تركزان على نشاط الدماغ، فإن الآثار المترتبة على الإدراك المبكر أو السلوك لا تزال غير واضحة تمامًا. يبدو أن مجال علم الأعصاب الوليدي لا يزال في بداياته، مع الكثير من الاكتشافات المستقبلية التي تنتظره. هذه الأبحاث المبتكرة لا تسلط الضوء فقط على القدرات الكامنة للرضع، بل تفتح أيضًا الباب أمام تطوير استراتيجيات تعليمية وتنموية مبكرة أكثر فعالية، تستند إلى فهم أعمق لكيفية معالجة أدمغة الأطفال للعالم من حولهم منذ اللحظات الأولى للحياة.

الكلمات الدلالية: # أدمغة الرضع # علم الأعصاب # التطور المبكر # الإدراك # الموسيقى # الإيقاع # الرؤية # التصنيف البصري # الرنين المغناطيسي الوظيفي # تخطيط كهربية الدماغ