إخباري
الأربعاء ٢٢ يوليو ٢٠٢٦ | الأربعاء، ٨ صفر ١٤٤٨ هـ
عاجل

أسماء عزايزة: «لا تصدقوني إن حدثتكم عن الحرب».. الشعر سلاح في وجه العنف والنسيان

إصدار النسخة الفرنسية من ديوان الشاعرة الفلسطينية يفتح آفاقا

أسماء عزايزة: «لا تصدقوني إن حدثتكم عن الحرب».. الشعر سلاح في وجه العنف والنسيان
كاثرين جونس
2026-03-17 18:02
19

في عالم تتلاطم فيه أمواج العنف والصراعات، يبرز الشعر كمنارة أمل ومساحة للمواجهة والتأمل. هذا ما تجسده الشاعرة الفلسطينية أسماء عزايزة في ديوانها «لا تصدقوني إن حدثتكم عن الحرب»، الذي شهد مؤخراً صدور نسخته الفرنسية، ليفتح بذلك آفاقاً جديدة لوصول صوتها الشعري المتميز إلى جمهور أوسع. وقد كان هذا الإصدار محور نقاش أدبي عميق ضمن برنامج «ثقافة»، حيث استضافت الإعلامية ليانا صالح الشاعرة عزايزة لتسليط الضوء على أبعاد هذا العمل الثري.

يمثل الديوان، بتجلياته الشعرية، مساحة هشة لكنها قوية لمواجهة العنف الذي يمزق الأوطان والأرواح، واستعادة الحلم الذي غالباً ما يطمس تحت ركام الخراب. إنه محاولة جريئة لاختبار اللغة حين تُوضع تحت ضغط الفقد، والخوف، واللايقين، لتكشف عن قدرتها على التعبير عن أعمق الجروح وأسمى التطلعات.

الشعر كدرع في وجه العنف: «لا تصدقوني إن حدثتكم عن الحرب»

يأتي عنوان الديوان «لا تصدقوني إن حدثتكم عن الحرب» ليكون استفزازاً شعرياً يضع القارئ أمام حقيقة أن اللغة، رغم أهميتها، قد تعجز عن استيعاب هول التجربة الحربية. فالشعر هنا ليس مجرد وصف للأحداث، بل هو محاولة لتجاوز السرد المباشر نحو استكشاف الأثر النفسي والوجودي للعنف. إنه يمثل درعاً يحمي الروح من التفتت، ويقدم مساحة للتأمل في بشاعة الواقع دون الوقوع في فخ التكرار أو التخدير. عزايزة، بأسلوبها السلس والعميق، تدعو القارئ إلى التشكيك في الروايات السائدة، وإلى البحث عن الحقيقة في تفاصيل التجربة الإنسانية المجردة من التضخيم أو التسطيح.

في قصائدها، يتجلى الشعر كمساحة للمقاومة الثقافية، لا بالصراخ المباشر، بل بالهمس الذي يحمل في طياته قوة التغيير. إنه يذكرنا بأن الفن قادر على إعادة تشكيل الواقع، ليس بتغيير الأحداث، بل بتغيير طريقة رؤيتنا لها وتفاعلنا معها. وهكذا، يصبح الديوان صوتاً يعلي من شأن الإنسانية في وجه كل ما يحاول طمسها.

اللغة تحت وطأة التجربة: الفقد، الخوف، واللايقين

تُعد قدرة عزايزة على اختبار اللغة حين تُوضع تحت أقصى الضغوط واحدة من أبرز سمات هذا الديوان. فالفقد، والخوف، واللايقين ليست مجرد مفاهيم مجردة، بل هي تجارب حية تتسرب إلى نسيج الكلمات وتغير من دلالاتها. في مواجهة هذه التحديات الوجودية، تبدو اللغة أحياناً عاجزة عن التعبير، لكن الشاعرة تنجح في ليّها وتطويعها لتعكس هذه الحالات المعقدة.

تتعامل القصائد مع هشاشة الوجود الإنساني في ظل الصراعات، وكيف تتأثر اللغة نفسها بهذا الواقع. هل يمكن للكلمات أن تحمل ثقل الدمار؟ هل تستطيع أن تعيد بناء ما هدمته الحرب؟ أسماء عزايزة تجيب على هذه الأسئلة لا بالعبارات المباشرة، بل بالصور الشعرية المكثفة التي تترك مساحة للقارئ ليملأها بتجربته الخاصة، مما يجعل الديوان حواراً مفتوحاً حول معنى الصمود والتعبير في أزمنة الاضطراب.

جسر ثقافي: أهمية الترجمة الفرنسية للأدب الفلسطيني

يُشكل صدور النسخة الفرنسية من «لا تصدقوني إن حدثتكم عن الحرب» حدثاً ثقافياً مهماً، فهو ليس مجرد نقل لغوي، بل هو جسر يربط الثقافات ويفتح نافذة على الأدب الفلسطيني المعاصر لجمهور عالمي أوسع. فاللغة الفرنسية، بكونها لغة ذات انتشار واسع وتاريخ عريق في احتضان الأدب والفكر، تتيح لديوان عزايزة الوصول إلى قراء قد لا يكونون مطلعين على تفاصيل السياق الفلسطيني، ولكنهم سيتفاعلون حتماً مع الثيمات الإنسانية الكونية التي يطرحها الديوان.

تُسهم هذه الترجمة في تعزيز الحضور الثقافي الفلسطيني على الساحة الدولية، وتُبرز عمق وغنى المشهد الأدبي في فلسطين. إنها تؤكد أن الأدب، في جوهره، يتجاوز الحدود الجغرافية والسياسية، ليصبح لغة عالمية للتعبير عن التجربة الإنسانية المشتركة، مهما اختلفت التفاصيل المحلية.

أسماء عزايزة: صوت شعري يلهم الأجيال

تُعد أسماء عزايزة واحدة من أبرز الأصوات الشعرية في المشهد الثقافي الفلسطيني والعربي المعاصر. بأسلوبها المتفرد الذي يجمع بين البساطة والعمق، والوضوح والرمزية، استطاعت أن تحفر لنفسها مكانة خاصة في قلوب القراء والنقاد. قصائدها ليست مجرد كلمات منمقة، بل هي نبض حياة يعكس تجربة جيل كامل، يواجه التحديات ويتمسك بالأمل.

تتميز عزايزة بقدرتها على التقاط اللحظات العادية وتحويلها إلى لوحات شعرية ذات دلالات عميقة، مما يجعل شعرها قريباً من الوجدان وملهماً للعقل. إنها لا تكتب عن الحرب بمعناها التقليدي فحسب، بل تكتب عن آثارها على الروح، عن صراع الإنسان من أجل البقاء، وعن قدرته على استعادة الجمال حتى في أحلك الظروف.

خاتمة

في الختام، يظل ديوان أسماء عزايزة «لا تصدقوني إن حدثتكم عن الحرب» شهادة شعرية حية على قوة الكلمة في مواجهة العنف واليأس. ومع صدور نسخته الفرنسية، تتسع دائرة تأثير هذا الصوت الشعري الفريد، لتؤكد أن الشعر يبقى الملاذ الأخير لاستعادة الحلم، واختبار حدود اللغة، وتأكيد صمود الروح البشرية في وجه كل التحديات. إنه دعوة للتأمل، للتشكيك، وللإيمان بأن الحقيقة تكمن أحياناً في ما لا يُقال، وفي ما يُشعر به عميقاً في صميم الوجود.

الكلمات الدلالية: # أسماء عزايزة # شعر فلسطيني # لا تصدقوني إن حدثتكم عن الحرب # أدب مقاومة # ترجمة أدبية # ثقافة # ليانا صالح # شعر معاصر