إعدادات الصفحة
الوضع الداكن
--° القاهرة

أفول «الخيار الثالث»: اغتيال سيف الإسلام القذافي يزيد تعقيد المشهد الليبي

استمع للخبر Saudi 365 2026-02-14 12:44 10
أفول «الخيار الثالث»: اغتيال سيف الإسلام القذافي يزيد تعقيد المشهد الليبي

القاهرة - وكالة أنباء إخباري

أفول «الخيار الثالث»: تداعيات اغتيال سيف الإسلام القذافي تعمّق تعقيدات المشهد الليبي

مثّل رحيل سيف الإسلام القذافي، نجل الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، عن عمر يناهز 53 عاماً، حدثاً مفصلياً يعيد تشكيل مسارات الأزمة الليبية المتجذرة. لم يكن موته مجرد خروج لشخصية سياسية من دائرة الضوء، بل يُنظر إليه على أنه إيذان بأفول ما كان يُعرف بـ«الخيار الثالث»؛ ذلك التيار الذي سعى لأن يكون بديلاً للمشير خليفة حفتر، القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس.

لطالما اعتبر كثير من الليبيين، بمن فيهم أنصاره، سيف الإسلام الوجه الإصلاحي المحتمل لنظام والده، والوريث الذي قد يملك القدرة على لم شتات البلاد. ومع غيابه، باتت المساحة السياسية التي شغلها مرشحة للتحول إلى ساحة صراع محتدم بين القوى المهيمنة، التي تتسابق لاستقطاب ما تبقى من مؤيديه، في محاولة لإعادة التوازن لمركب سياسي يغرق في لجة التجاذبات الإقليمية والجمود الدستوري الذي يعيق أي تقدم نحو الاستقرار.

تحقيق في الاغتيال وردود فعل متباينة

لم تمر حادثة اغتيال سيف الإسلام القذافي مساء الثالث من فبراير الحالي في مدينة الزنتان (غرب ليبيا) مرور الكرام. لقد ظلت الزنتان تأويه منذ اعتقاله من قبل «كتيبة أبو بكر الصديق» في نوفمبر 2011، وبقي تحت حمايتها حتى تاريخ وفاته. وقد أوفد مكتب النائب العام الصديق الصور فريقاً يضم أطباء شرعيين وخبراء إلى الزنتان للتحقيق في ملابسات الواقعة. وأفادت تقارير غير رسمية بأن الجثة تلقت 18 رصاصة، ما يشي بعملية اغتيال مدبرة ووحشية تزيد من تعقيد المشهد الأمني والقضائي في ليبيا.

خلفت الجنازة الحاشدة التي احتضنتها مدينة بني وليد حالة من التجاذب الحاد، عكست الانقسام العميق داخل المجتمع الليبي. فقد عدّ الأنصار، ومن بينهم شقيقه الساعدي، الجنازة «استفتاءً شعبياً ووطنياً على شعبية الرجل الذي فاز بالانتخابات وهو ميت»، في تعبير رمزي عن التفويض الشعبي الذي يرون أنه كان يحظى به. في المقابل، رأى المعارضون أن الحدث «صُنع على مواقع التواصل الاجتماعي وبواسطة الذكاء الاصطناعي»، في محاولة للتقليل من حجم الدعم الذي حظي به القذافي.

عكس هذا «التهويل» و«التهوين» قدراً كبيراً من الاحتقان المتراكم والمرشح للظهور أكثر في قادم الأيام. الأمر الذي استدعى الشيخ علي أبو سبيحة، رئيس الفريق السابق لسيف القذافي بملف «المصالحة الوطنية»، للدخول على خط الأزمة، مؤكداً أن «الجموع الزاحفة» لحضور الجنازة «تريد القول بصوت واحد للذين يحلمون بسقوط مشروعه: أنتم واهمون»، مصعداً من لهجته بتوبيخ ضمني للمتسببين في الأزمة الليبية قائلاً: «لقد سقط مشروعكم بإذلال الشعب الليبي وتفتيته ورهن خيراته وإرادته وحريته واستقلاله لأعدائه».

تأثير الغياب على الانتخابات ومستقبل ليبيا

كان ظهور سيف الإسلام المفاجئ في عام 2021، بعد اختفائه قرابة عشر سنوات، لتقديم ملف ترشحه للانتخابات الرئاسية، قد تسبب في إرباك المشهد السياسي وحسابات خصومه. وعلى الرغم من طعن مفوضية الانتخابات بترشحه، قضت محكمة سبها (جنوب ليبيا) برفض الطعن وإلزامه بالعودة إلى السباق، قبل أن يتم تأجيل الانتخابات بأكملها بدعوى وجود «قوة قاهرة» حالت دون استكمالها، تمثلت في عقبات أمنية وقضائية وسياسية وشخصيات جدلية أرادت خوض السباق.

اليوم، وبعد خروج سيف الإسلام من دائرة الضوء، لم يتبقَّ من تلك «الشخصيات الجدلية»، وفق مراقبين، سوى رئيس حكومة «الوحدة» والقائد العام لـ«الجيش الوطني». يسود اعتقاد لدى البعض بأن رحيل سيف الإسلام قد أزال إحدى العقبات التي كانت تعترض إجراء الانتخابات في ليبيا. لكن هذه النظرة التفاؤلية تصطدم بواقع يكرسه العداء المستمر، والجهوية العميقة، و«الدم الجديد» الذي سال في الزنتان، مما ينذر بتعقيدات إضافية.

يرى محللون كثيرون، منهم ناصر أبو ديب، أن الوضع في ليبيا بعد موت سيف لا يختلف عما قبله، معتقدين أن الأمر «سيبقى على ما هو عليه» ما دام ارتبط بـ«سلطة الأمر الواقع». بل إن محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، وصف الوضع في ليبيا بأنه «عدميٌّ وعبثيٌّ». ودافع بعيو عن وجهة نظره بأن «لا يوجد شيء يسمى كتلة النظام السابق، وأن سيف الإسلام كان يمثل نتوءاً للغاضبين»، مشيراً إلى أن من حضر جنازته لا يتجاوز 20 ألفاً، وأن سيف لم يكن لديه أي حظوظ حقيقية لحكم البلاد.

ويختتم بعيو رؤيته المتشائمة بالقول: «ليبيا لن يحكمها أحد بعد معمر القذافي، وأعتقد الوضع سيظل هكذا في حالة سيولة بعيداً عن سلطة موحدة؛ فالدولة لن تتشكل في المدى المنظور، وستكون البلاد ساحة صراعات دولية وتصفية حسابات». هذه الرؤية تعكس حقيقة أن جذور الأزمة الليبية أعمق بكثير من مجرد وجود أو غياب شخصية سياسية، وأن الصراع على السلطة والنفوذ يتعدى الأفراد إلى كيانات وقوى إقليمية ودولية متصارعة.

في الختام، تقف ليبيا اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن يؤدي التشظي السياسي إلى ولادة بدائل وطنية جديدة قادرة على إنقاذ البلاد من دوامة العنف والتقسيم، وإما تظل الأوراق مبعثرة، بانتظار معجزة تلمّ الشمل في مشهد لم يعد يحتمل مزيداً من المغامرات أو المماطلة، في ظل تمدد الصراع بدل طيه، وغياب حلول جذرية تنهي حالة السيولة والجمود الدستوري.

# سيف الإسلام القذافي # ليبيا # الأزمة الليبية # اغتيال # الخيار الثالث # انتخابات ليبيا # الزنتان # بني وليد # خليفة حفتر # عبد الحميد الدبيبة # البعثة الأممية # الصراع الليبي
اقرأ هذا الخبر