إعدادات الصفحة
الوضع الداكن
--° القاهرة

ألمانيا تحول مناجم الفحم المهجورة إلى بحيرات عملاقة: مشروع "لوساتيا" يغير وجه الشرق

جهود بيئية وهندسية ضخمة تحول حفر التعدين إلى مسطحات مائية سي
استمع للخبر عبد الفتاح يوسف 2026-04-15 21:12 12
ألمانيا تحول مناجم الفحم المهجورة إلى بحيرات عملاقة: مشروع "لوساتيا" يغير وجه الشرق

برلين - وكالة أنباء إخباري

ألمانيا تحول مناجم الفحم المهجورة إلى بحيرات عملاقة: ميلاد "لوساتيا" المائية

في تحول بيئي وهندسي غير مسبوق، تشهد مناطق شرق ألمانيا، وتحديداً على تخوم ولايتي براندنبورغ وساكسونيا، عملية ضخمة لتحويل الحفر الهائلة التي خلّفتها مناجم الفحم القديمة إلى بحيرات صناعية عملاقة. يهدف هذا المشروع الطموح، الذي يُنفذ وفق معايير بيئية صارمة وتنسيق أوروبي، إلى إصلاح الأراضي التي تضررت لعقود طويلة من التعدين المكثف، ومن المتوقع أن تكتمل مراحله الرئيسية الصيف القادم.

تُعد ألمانيا موطناً لأكثر من اثني عشر ألف بحيرة طبيعية، بالإضافة إلى مئات المسطحات المائية الاصطناعية، وفقاً للوكالة الاتحادية للبيئة. وقد شهد عام 2003 وحده إنشاء نحو 575 بحيرة جديدة، مع توقعات بازدياد هذا العدد بشكل ملحوظ في العقود المقبلة مع استمرار غمر مواقع التعدين القديمة بالمياه. تتوزع غالبية هذه البحيرات في ولايات براندنبورغ، وساكسونيا-أنهالت، وساكسونيا، وشمال الراين-وستفاليا.

"لوساتيا": مشروع التحول المائي الأضخم في ألمانيا

ما يجري تطويره حالياً في منطقة "لوساتيا"، الواقعة بين العاصمة برلين ومدينة دريسدن، يُعتبر من أضخم وأوسع مشاريع تحويل الأراضي إلى مسطحات مائية في ألمانيا، متجاوزاً في حجمه وتخطيطه معظم المشاريع المماثلة في البلاد. خلال فترة ألمانيا الشرقية، اقتلع عمال المناجم أكثر من ملياري طن من الفحم الحجري من أعماق تجاوزت الستين متراً، تاركين وراءهم حُفراً هائلة شوّهت وجه الأرض.

جاء طوفان بحيرة "زينفتنبرج" عام 1967 ليكون نقطة تحول وفكرة ملهمة، حيث أصبحت هذه البحيرة اليوم من أعظم المعالم المائية الاصطناعية في أوروبا، مزودة بالموانئ والقنوات ومواقع التخييم. بل إن قربها شهد نشأة مجتمعات محلية تُعرف باسم "نيو-زيلاند" (نيوزيلندا الجديدة)، نمت وازدهرت على ضفاف تلك البحيرات التي أُقيمت في جبّ المناجم الخاوية. ولولا هذه المشاريع، لبقيت أرض "لوساتيا" قفراً، نظراً لطبيعتها القديمة التي تتكون أساساً من ركام جليدي يغلب عليه الحصى والرمال.

أرقام وحقائق: حجم المشروع وتكلفته الباهظة

تضم منطقة "بحيرات لوساتيا" السياحية حالياً ثلاثة وعشرين بحيرةً من صنع البشر، نشأت في حفائر المناجم القديمة، وتبلغ مساحتها المائية الإجمالية أربعة عشر ألف هكتار. وتخطط الشركة المسؤولة مستقبلاً لربط عشر من هذه البحيرات بقنوات مخصصة للقوارب الترفيهية، على أن تصل المساحة الصالحة للملاحة على مدار العام إلى سبعة آلاف هكتار. وقد أُنجزت أربع قنوات من أصل ثلاث عشرة قناة مائية مقررة، فيما يجري العمل على ست قنوات أخرى.

تتولى شركة (LMBV) الاتحادية مهمة إصلاح المناجم السطحية المهجورة وغمرها بالمياه، حيث خُصصت لها منذ أوائل التسعينيات تسع عشرة منطقة تعدين مكشوفة في لوساتيا، وما زالت تنظم عمليات استصلاحها. في مقابلة مع يورونيوز، أوضح الدكتور أوفه شتاينهوبر من الشركة، بأنهم يعملون على تطوير نحو خمسين بحيرة كبيرة ناشئة عن التعدين، منها أربع وعشرون بحيرة في لوساتيا وحدها، واصفاً المهمة بأنها "تستغرق جيلين".

التحديات الهندسية والتمويل: مهمة الأجيال

وفقاً لشتاينهوبر، بلغت نفقات إعادة هيكلة قطاع التعدين في لوساتيا نحو سبعة مليارات يورو حتى اليوم. أما التكلفة الإجمالية التي ستتحملها شركة LMBV، بما فيها مناطق التعدين في وسط ألمانيا، فتقدر بحوالي 13.8 مليار يورو. وتتراوح كلفة إنشاء بحيرة واحدة مأمونة طويلة الأمد بين مائتين وستمئة مليون يورو. يُموَّل المشروع بنسبة 75% من الحكومة الاتحادية، و25% من الولاية المعنية، دون مساعدة من الاتحاد الأوروبي. ويُرجح شتاينهوبر أن تحتاج العملية إلى 4.8 مليار يورو إضافية خلال الخمس والعشرين سنة المقبلة.

يُنسق مركز الفيضانات التابع للشركة في مدينة زينفتنبرج هذه العملية منذ أكثر من خمس وعشرين سنة، حيث تُستمد المياه من أنهار نيسه وشبريه وشوارتسر إلستر، وتُوجه نحو البحيرات. فلو لم تكن هذه الفيضانات المُوجَّهة، لاحتاج المنجم المكشوف إلى ما بين ثمانين ومئة سنة حتى يمتلئ بمياه الأمطار والمياه الجوفية وحدها. ولا يتم الغمر إلا حين تهيأ الظروف المناسبة، بحيث لا تتأثر بها الملاحة النهرية ولا محطات الطاقة ولا صيد الأسماك.

تواجه كل بحيرة ناشئة تحدياتها الخاصة، إذ يوضح شتاينهوبر أنه لا بد من تأمين السدود هندسياً وجيوتقنياً، والأخذ في الحسبان المياه الجوفية المحملة بالمعادن، وبناء قنوات دخول وخروج معقدة في بعض الأحوال. ويؤدي إدخال مياه الأنهار المعتدلة بسرعة إلى تحقيق غرض مهم، ألا وهو منع تسرب المياه الحمضية القادمة من مناطق القلع إلى البحيرات.

مستقبل مائي لشرق ألمانيا: بحيرة بحجم "كومو"

تبلغ مساحة سطح المياه الإجمالية حالياً نحو 130 كيلومتراً مربعاً، وستصل في نهاية المطاف إلى 144 كيلومتراً مربعاً، أي ما يعادل تقريباً بحيرة كومو الإيطالية (146 كيلومتراً مربعاً)، إحدى أشهر بحيرات أوروبا. بيد أن الفارق الجوهري أن هذه البحيرات في شرق ألمانيا لم تنشأ بفعل الطبيعة، بل بفعل عقود من العمل الهندسي الهادف والتخطيط الدقيق. ويذكر شتاينهوبر أنه قد امتلأ حتى الآن 90% من حجم الحفرة المتبقية، مما يبشر بمستقبل واعد لهذه المنطقة كوجهة سياحية وبيئية رائدة.

# ألمانيا، مناجم الفحم، بحيرات صناعية، لوساتيا، إعادة تأهيل بيئي، شرق ألمانيا، LMBV، السياحة المائية
اقرأ هذا الخبر