إعدادات الصفحة
الوضع الداكن
--° القاهرة

أمريكا وإيران: صراع الزمن يؤجل الهدنة في حرب 'من يصرخ أولاً؟'

طهران وواشنطن تتقاسمان الاعتقاد بأن الوقت لم يستنفد بعد ما ي
استمع للخبر عبد الفتاح يوسف 2026-03-18 17:50 4
أمريكا وإيران: صراع الزمن يؤجل الهدنة في حرب 'من يصرخ أولاً؟'

الصراع الأمريكي الإيراني: معركة على عقارب الساعة

منذ اندلاع المواجهات العسكرية في 28 فبراير/شباط، يكشف الخطاب الرسمي الصادر عن طهران وواشنطن عن معركة أعمق تدور حول عامل الزمن، أكثر من كونه صراعاً تقليدياً بين طرف يسعى لإطفاء النار وآخر يصر على إشعالها. فكلتا العاصمتين تعتقدان أن الوقت لم يستنفد بعد ما يمكن أن يمنحه لهما في الميدان والسياسة، مما يؤجل أي أفق لهدنة سريعة.

تتحدث إيران بلغة الصمود والرد المفتوح، رافضةً أي وقف لإطلاق نار لا يغير موازين الردع القائمة. بينما تصر الولايات المتحدة على لغة الضغط العسكري ومواصلة العمليات حتى تحقيق أهدافها المعلنة. وبين خطاب إيراني يعلن استعداده «لحرب طويلة» وخطاب أمريكي يؤكد أنه «يكسب» ويمكنه الاستمرار «ما دام ذلك ضرورياً»، تظل الهدنة مؤجلة لأن الطرفين يعتقدان أن الوقت لم يحن بعد.

رؤية طهران: الصمود والاستنزاف

وضع أمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني، الإطار السياسي والنفسي للموقف الإيراني عندما صرح بأن إيران، «على خلاف أمريكا»، أعدت نفسها لحرب طويلة. هذه الجملة لا تعني فقط الجاهزية العسكرية، بل تهدف أيضاً إلى نفي أي انطباع بأن طهران فوجئت بالهجوم وتبحث عن مخرج سريع. وفي تدوينة لاحقة على منصة 'إكس'، كتب لاريجاني: «إشعال الحروب أمر سهل، أما إنهاؤها فلا يتم ببضع تغريدات»، مضيفاً: «لن نترككم حتى تعترفوا بخطئكم وتدفعوا ثمنه». جاء هذا رداً على تصريح للرئيس الأمريكي دونالد ترمب قال فيه: «يجب أن ننتصر في هذه الحرب بسرعة».

تعزز الرواية الرسمية الإيرانية الأوسع هذه الفكرة، مؤكدة أن إيران لم تبدأ الحرب، ولن تتفاوض تحت النار، بل ستواصل «الدفاع» مهما كلف الأمر. بهذا المعنى، يصبح طول أمد الحرب في الخطاب الإيراني جزءاً من استراتيجية الردع، لا مجرد نتيجة اضطرارية للتفوق الجوي الأمريكي الإسرائيلي. ولم يكن رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف أقل وضوحاً عندما أكد أن طهران «لا تسعى إلى وقف إطلاق النار» وأن «المعتدين يجب أن يعاقَبوا». هذه العبارة تكشف أن المشكلة في نظر طهران ليست في مبدأ الهدنة بحد ذاته، بل في توقيتها وشروطها، إذ أن وقف إطلاق النار الآن قد يعني تثبيت الخسارة عند لحظتها الراهنة. لذلك، تصر طهران على أن أي تهدئة يجب أن تأتي بعد وقف الضربات الأمريكية الإسرائيلية.

موقف واشنطن: الضغط الحاسم وتحقيق الأهداف

في المقابل، لا تتحدث واشنطن أيضاً بلغة التعجل في إغلاق الجبهة. فقد رفضت إدارة دونالد ترمب، بحسب تقارير رويترز، جهوداً قادتها عُمان ومصر لفتح مسار لوقف إطلاق النار. وأكد مسؤول كبير في البيت الأبيض أن الرئيس «غير مهتم بذلك الآن» وأن العمليات ستتواصل «من دون انقطاع». هنا يتضح أن الحرب تُقرأ من العاصمتين على نحو متعاكس، وإن التقتا في النتيجة نفسها وهي «لا هدنة سريعة». تقول إيران إن الوقت يعمل لمصلحتها لأنه يمكن تحويله إلى استنزاف، بينما تقول أمريكا إن الوقت ما زال يعمل لمصلحتها لأنها قادرة على مواصلة الضغط.

صرح وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث صراحة أن الولايات المتحدة «تكسب» الحرب، وأن دفاعاتها ودفاعات حلفائها تملك «متسعاً كبيراً»، وأنها تستطيع مواصلة القتال «ما دام ذلك ضرورياً». لكنه أضاف أن هذه لن تكون «حرباً لا تنتهي»، وأن الهدف هو تدمير صواريخ إيران وقدراتها البحرية وبنيتها الأمنية «بشكل جراحي وطاغٍ ومن دون اعتذار». بهذا المعنى، تريد واشنطن حرباً كافية لتحقيق أهدافها، لا حرباً مفتوحة بلا سقف.

اللافت أن ترمب نفسه يرسل إشارات مزدوجة. فقد قال في 11 مارس/آذار «لقد انتصرنا»، لكنه أضاف مباشرة أن أمريكا لا تريد أن «تغادر مبكراً» وأن عليها أن «تنهي المهمة». وفي 14 مارس/آذار، ومع اتساع القتال إلى منشآت وموانئ في الخليج، كتب أن «دولاً كثيرة» سترسل سفناً حربية لإبقاء مضيق هرمز مفتوحاً، وأن الولايات المتحدة ستواصل «قصف الساحل بقوة» واستهداف القوارب والسفن الإيرانية. هذه اللغة لا تصدر عن إدارة تستعد لوقف نار وشيك، بل عن إدارة تريد تحويل التفوق العسكري إلى شروط سياسية لاحقة.

حسابات الكلفة الداخلية ودبلوماسية الأمد

ومع ذلك، لا يعني الاندفاع الأمريكي أن الرؤية داخل واشنطن موحدة تماماً. فقد برّر ماركو روبيو الدخول الأمريكي في الحرب بأنه خطوة استباقية لأن واشنطن كانت تتوقع أن يؤدي هجوم إسرائيلي مخطط له إلى رد إيراني على القوات الأمريكية، وأن عدم التحرك المسبق كان سيعني «خسائر أعلى». لكن رويترز أشارت أيضاً إلى وجود انقسام داخل الإدارة نفسها، حيث يخشى بعض المسؤولين الكلفة السياسية لارتفاع أسعار النفط، فيما يدفع آخرون نحو مواصلة الهجوم. أي أن أمريكا، مثل إيران، لا تتحرك فقط وفق منطق الميدان، بل وفق حسابات الكلفة الداخلية أيضاً.

هذا ما يفسر تمسك إيران بمنطق حرب الاستنزاف. فهي تدرك أن موازين القوة التقليدية لا تميل لصالحها، لذلك لا تراهن على نصر عسكري مباشر، بل على جعل «الهزيمة» الأمريكية الإسرائيلية بإسقاط النظام الإيراني أكثر كلفة وملابسة. فالموجات المتعاقبة من الصواريخ والمسيّرات، وتهديد الملاحة والطاقة، ليست فقط أدوات ضرب، بل أدوات إنهاك تحمل استنزافاً للدفاعات، ورفعاً لكلفة التأمين والشحن، وإرباكاً للدول المجاورة والأسواق. وفي المقابل، ترى واشنطن أن عليها مواصلة القصف إلى أن تُقلص هذه القدرة الإيرانية على التعطيل إلى الحد الأدنى. هكذا يصبح الزمن نفسه ميدان الحرب الحقيقي، حيث إن إيران تريده زمناً للاستنزاف، وأمريكا تريده زمناً للتجريد من القدرات.

لكن الحرب الطويلة، وإن بدت لإيران وسيلة لإنهاك الخصم، ليست مجانية عليها. فالضربات الأمريكية والإسرائيلية لم تُسقط النظام حتى الآن، وفق تقديرات استخبارات أمريكية، لكنها أبقت القيادة تحت ضغط شديد. وفي الوقت نفسه، يرفع استمرار الحرب كلفتها الاقتصادية والاجتماعية على الداخل الإيراني، تماماً كما يرفع كلفة الطاقة والسياسة على خصومها. وهذا يعني أن طهران لا تختار الحرب الطويلة لأنها مريحة، بل لأنها قد تراها أقل سوءاً من وقف نار يكرّس اختلال الردع ضدها. في المقابل، لا ترفض أمريكا وقف الحرب لأنها تريد الاستنزاف لذاته، بل لأنها تعتقد أن وقفها الآن قد يترك لإيران قدرة على التعافي السريع.

خاتمة: من يرى الوقت في صالحه؟

في المحصلة، لا يكفي أن نسأل «هل تريد إيران حرباً طويلة؟» فالسؤال الأدق هو «من الطرف الذي يرى أن الوقت ما زال يخدمه؟» حتى الآن، يبدو أن طهران وواشنطن تقدمان الجواب نفسه، كل من موقعه: «ليس بعد». تقول إيران إنها لا تريد وقف نار بلا ثمن، وأمريكا تقول إنها لا تريد وقفاً قبل «إنهاء المهمة». وبين «الحرب الطويلة» التي تتحدث عنها طهران و«الاستمرار ما دام ذلك ضرورياً» الذي تتحدث به واشنطن، تبدو الهدنة مؤجلة، لا لأن طرفاً واحداً يعطلها، بل لأن كليهما يعتقد أن الساعات المقبلة قد تمنحه موقعاً أفضل على طاولة السياسة.

# حرب أمريكا إيران، صراع الزمن، وقف إطلاق النار، استنزاف، ضغط عسكري، دبلوماسية، لاريجاني، ترمب
اقرأ هذا الخبر