إعدادات الصفحة
الوضع الداكن
35° القاهرة

أوروبا بين طموح الاستقلال الاستراتيجي وواقع الارتهان الدفاعي الأمريكي

استمع للخبر Saudi 365 2026-02-13 14:39 20
أوروبا بين طموح الاستقلال الاستراتيجي وواقع الارتهان الدفاعي الأمريكي

القاهرة - وكالة أنباء إخباري

في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية والتغيرات في المشهد الأمني العالمي، تجد القارة الأوروبية نفسها أمام مفترق طرق حاسم، حيث تتنامى الأصوات المطالبة بتحقيق استقلال استراتيجي حقيقي في مجالي الأمن والدفاع بعيدًا عن مظلة الولايات المتحدة الأمريكية. غير أن هذه الرغبة الأوروبية الطموحة تصطدم بواقع معقد ومليء بالتحديات التي قد تقوض مساعيها نحو بناء قدرات دفاعية ذاتية ومكتفية، وذلك وفقًا لتقارير وتحليلات متعمقة نشرها موقع صحيفة “بوليتيكو” الأمريكية.

شكوك أمريكية وتحديات بنيوية

لطالما كانت الولايات المتحدة الركيزة الأساسية للأمن الأوروبي، وهو ما أكد عليه الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو) مارك روته، الذي لم يتردد في التعبير عن تشككه علنًا في قدرة أوروبا على الدفاع عن نفسها بمعزل عن واشنطن. يرى روته أن القارة الأوروبية، رغم امتلاكها قاعدة صناعية متطورة قادرة على تصنيع الأسلحة والطائرات والدبابات والصواريخ، تظل عاجزة في غياب القدرات الأمريكية الحيوية في مجالات الاستخبارات، والإمداد، والاتصالات، فضلاً عن بنية القيادة والسيطرة المتكاملة التي تربط هذه العناصر معًا. فبدون هذه القدرات المحورية، يصبح أمل أوروبا في ردع خصوم مثل روسيا ضئيلاً للغاية.

من جانبه، يؤكد المفوض الأوروبي للدفاع، أندريوس كوبيليوس، على ضرورة أن تكون أوروبا مستعدة للاعتماد على 'قوى استراتيجية أوروبية خاصة بنا بدلاً من القوى الاستراتيجية الأمريكية'. لكن عملية فك الارتباط الاستراتيجي عن الولايات المتحدة ليست بالأمر الهين؛ فهي تتطلب وقتًا طويلاً وتكاليف باهظة. أوليفييه شميت، رئيس قسم الأبحاث في معهد العمليات العسكرية بالكلية الملكية الدنماركية للدفاع، يلخص هذا التحدي بالقول: 'لا يمكن لأي دولة أوروبية، بحكم تعريفها، أن تحل محل الولايات المتحدة'. يدرك الاتحاد الأوروبي تمامًا هذه الثغرات، وقد اعتمد مبادرات مثل 'البوصلة الاستراتيجية' وخطة 'جاهزية 2030' بهدف التخفيف من مخاطر أي انسحاب أمريكي محتمل، إلا أن هذه المشروعات لا تزال في مراحلها الأولية وبعيدة عن تحقيق أهدافها الكاملة.

التكاليف الباهظة والمعيقات السياسية

إن مساعي أوروبا لتقليل اعتمادها على الولايات المتحدة لا تواجه تحديات فنية أو اقتصادية فحسب، بل تعرقلها أيضًا تعقيدات السياسة الداخلية للقارة. فشرط الإجماع، الذي يحكم اتخاذ القرارات الدفاعية الأوروبية، يمنح دولًا مثل المجر، الموالية لروسيا، حق النقض، مما يعيق بشكل كبير جهود أوروبا الرامية إلى تعزيز قدراتها الدفاعية المشتركة. وقد قدر مارك روته، الأمين العام للناتو، أن تكلفة الانفصال عن واشنطن قد تصل إلى 10% من الناتج المحلي الإجمالي الأوروبي، وهو ما يعادل ضعف ما تلتزم به دول الناتو بإنفاقه على الدفاع. وتذهب تقديرات المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية إلى أن هذه التكلفة قد تصل إلى تريليون دولار، وهو رقم ضخم يعكس حجم التحدي الاقتصادي.

لا يقتصر الأمر على الحاجة إلى قوى بشرية ومنصات عسكرية بديلة للمنصات الأمريكية، بل يتعداه ليشمل معالجة النقص الحاد في قدرات الفضاء والاستخبارات والمراقبة والاستطلاع الشاملة، فضلاً عن تعويض المساهمات الأمريكية في ترتيبات القيادة والسيطرة لحلف الناتو. ومع ذلك، لا تبدأ أوروبا من الصفر؛ فوفقًا لكاميل غراند، الأمين العام لرابطة الصناعات الفضائية والأمنية والدفاعية الأوروبية، 'أعتقد أنه في 98% من الحالات، يوجد حل أوروبي'، مما يشير إلى وجود بدائل جيدة في العديد من المجالات.

البدائل الأوروبية الواعدة في مواجهة الاعتماد الأمريكي

في مجال المراقبة والقيادة والسيطرة والاتصالات، يبحث الناتو عن بديل لطائرة 'بوينغ إيي-3 سينتري' المعروفة باسم 'أواكس'. وقد كشفت وثيقة سرية لوزارة الدفاع الألمانية عن رغبة برلين وعدد من الحلفاء في التراجع عن شراء طائرة الرادار الأمريكية 'إيي-74 إيه ويدجتيل' والتحول إلى بديل أوروبي، بسبب 'مخاطر كبيرة' تتعلق بالسعر ومواعيد التسليم والصيانة والشهادات. هنا تبرز طائرة 'ساب غلوبال آي' السويدية كبديل واعد، حيث طلبت فرنسا طائرتين منها مؤخرًا، ووصفها وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس بأنها 'في وضع ممتاز' للشراء من قبل برلين.

وفي الدفاع الجوي، حيث يعتمد الجيش الأمريكي و19 دولة أوروبية، بما في ذلك أوكرانيا، على نظام 'باتريوت' الأمريكي، اشتكت كييف من نقص حاد في صواريخ 'باك-3' الاعتراضية. لكن أوروبا لديها بدائل فعالة مثل نظام 'سامب-تي' الفرنسي الإيطالي الذي يتمتع بقدرات مماثلة، وتشغل أوكرانيا ثمانية صواريخ منه حاليًا، وقد اختارته الدنمارك العام الماضي. وفي مجال النقل الجوي، ورغم انتشار طائرات 'سي-130 هيركوليز' الأمريكية، تمتلك أوروبا طائرات 'إيرباص إيه 400 إم' الأحدث، حيث تستخدم ألمانيا حوالي 50 طائرة، والمملكة المتحدة وفرنسا حوالي 20 طائرة لكل منهما، مع طلبات شراء إضافية. ومع ذلك، قد لا تكون الحاجة إلى النقل الجوي بنفس الأهمية في حرب دفاعية ضد روسيا، حيث تلعب الطرق البرية والسكك الحديدية دورًا حاسمًا. ويسعى الاتحاد الأوروبي لتبسيط إجراءات نقل القوات عبر القارة، مقترحًا زيادة ميزانية التنقل العسكري عشرة أضعاف لتصل إلى 17.7 مليار يورو.

فجوات استخباراتية وفضائية حرجة

تظل القدرات العسكرية الفضائية الأوروبية محدودة، وتعتمد العديد من الدول على الولايات المتحدة في توفير المعلومات الاستخباراتية والملاحية. ورغم خطط الدول الأوروبية لزيادة الإنفاق على الفضاء، فإن تحقيق الاكتفاء الذاتي سيستغرق سنوات. صاروخ 'أريان 6' الأوروبي الجديد لم يستخدم سوى ست مرات، مما يجعله متأخرًا عن قدرات الإطلاق الأمريكية. ويموّل الاتحاد الأوروبي نظام الاتصالات المدارية 'آيريس 2' الذي يتوقع أن يدخل الخدمة في 2030، ويفترض أن ينافس نظام 'ستارلينك' الأمريكي.

ويشير ماكس بيرغمان، مدير برنامج أوروبا وروسيا وأوراسيا في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، إلى أن 'أصعب عامل يمكن تغييره هو قدرات الاستخبارات والاستهداف التي توفرها الولايات المتحدة'. لا يقتصر الأمر على الأصول المادية كالأقمار الصناعية والمسيرات، بل يشمل أيضًا دمج المعلومات الاستخباراتية لتحديد أهداف واضحة المعالم. ورغم تضاؤل المساعدات العسكرية الأمريكية لأوكرانيا، لا تزال كييف تعتمد بشكل كبير على الاستخبارات الأمريكية. وبعدما أوقف الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب لفترة وجيزة تبادل المعلومات الاستخباراتية العام الماضي، تسعى كييف وحلفاؤها الأوروبيون لإيجاد بدائل، حيث أصبحت فرنسا تقدم ثلث الدعم الاستخباراتي لأوكرانيا، وتظهر أقمار شركة الفضاء الفنلندية كبديل محتمل.

رؤية لمستقبل الدفاع الأوروبي

لم يكن ضعف القدرات الأوروبية يمثل مشكلة كبيرة عندما كانت الولايات المتحدة تعتبر حليفًا قويًا وموثوقًا في الناتو. لكن اليوم، تتزايد الشكوك حول هذا الدور، حيث أظهر استطلاع رأي حديث لـ'بوليتيكو' أن غالبية سكان فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة لا يرون واشنطن شريكًا أمنيًا موثوقًا. لكي تعزز الدول الأوروبية دورها وتفعل استقلالها الاستراتيجي، يتوجب عليها توحيد أسواقها الدفاعية، والقضاء على ازدواجية أنظمة الأسلحة، والشراء المشترك، وزيادة استثماراتها في الدفاع بشكل كبير. فكما يرى وزير الأمن البريطاني السابق توم توغنهادت، 'مشكلة أوروبا ليست نقص المال، بل نقص التنسيق'. إن الطريق نحو الاستقلال الدفاعي الأوروبي محفوف بالعقبات، لكن الإرادة السياسية المشتركة والتنسيق الفعال قد يكونان المفتاح لتجاوزها وتحقيق رؤية أوروبا لدفاعها المستقبلي.

# أوروبا # دفاع أوروبي # الناتو # الولايات المتحدة # استقلال استراتيجي # أمن أوروبي # صناعات دفاعية # تكلفة الدفاع # القيادة والسيطرة # استخبارات # صواريخ # طائرات عسكرية # أندريوس كوبيليوس # مارك روته