إعدادات الصفحة
الوضع الداكن
--° القاهرة

أوروبا ترفض توسيع مهمة "أسبيدس" إلى مضيق هرمز: مخاوف من الانجرار لحرب إقليمية

الموقف الأوروبي يثير تساؤلات حول استجابة حلف الناتو للضغوط ا
استمع للخبر كاثرين جونس 2026-03-17 17:33 10
أوروبا ترفض توسيع مهمة "أسبيدس" إلى مضيق هرمز: مخاوف من الانجرار لحرب إقليمية

أوروبا تتمسك بالحذر: لا لتوسيع "أسبيدس" إلى مضيق هرمز

في خطوة تعكس التوتر الجيوسياسي المتزايد ومخاوف التصعيد في الشرق الأوسط، أعلنت الدول الأوروبية رفضها القاطع لتوسيع نطاق مهمتها البحرية "أسبيدس" لتشمل مضيق هرمز. يأتي هذا القرار الحاسم، الذي أُعلن عنه على لسان مسؤولين أوروبيين، ليؤكد على نهج الحذر الذي تتبناه القارة العجوز في التعامل مع بؤر التوتر الإقليمية، خاصة في سياق دعوات متكررة من واشنطن لزيادة المساهمة في تأمين الممرات المائية الحيوية.

الموقف الأوروبي، الذي لخّصته تصريحات منسوبة إلى مسؤولين كبار بأن "لا أحد يريد الانخراط في الحرب"، يمثل ردًا مباشرًا على الضغوط الأمريكية المتزايدة على حلف شمال الأطلسي (الناتو) للمساهمة بفاعلية أكبر في تأمين مضيق هرمز، الذي يُعد شريانًا حيويًا لتجارة النفط العالمية. هذه الضغوط تأتي في وقت تتصاعد فيه التوترات في المنطقة، خاصة مع استمرار الهجمات على الشحن البحري في البحر الأحمر، مما يثير مخاوف من اتساع رقعة الصراع.

مهمة "أسبيدس": نطاق محدود وأهداف واضحة

تأسست مهمة "أسبيدس" (Aspides)، وهي كلمة يونانية تعني "الدروع"، في فبراير 2024 كاستجابة أوروبية مباشرة للهجمات التي تشنها جماعة الحوثي اليمنية على السفن التجارية في البحر الأحمر وخليج عدن. هدفها الأساسي هو حماية حرية الملاحة وضمان سلامة السفن التجارية التي تعبر هذه الممرات الحيوية، والتي تُعد نقطة اختناق رئيسية للتجارة العالمية. وتقتصر قواعد الاشتباك الخاصة بالمهمة على الدفاع الذاتي وحماية السفن المستهدفة، مع التركيز على تجنب أي تصعيد إقليمي.

يشارك في "أسبيدس" عدد من الدول الأوروبية، أبرزها فرنسا وألمانيا وإيطاليا، وتعمل تحت قيادة الاتحاد الأوروبي. وقد نجحت المهمة في اعتراض عدد من الصواريخ والطائرات المسيرة التي استهدفت السفن، مما يؤكد فعاليتها في نطاق عملها المحدد. ومع ذلك، فإن توسيع نطاقها ليشمل مضيق هرمز يمثل نقلة نوعية في طبيعة المهمة وأهدافها، وهو ما ترفضه أوروبا حاليًا.

لماذا ترفض أوروبا التوسع؟ مخاوف من الانجرار للصراع

تتعدد الأسباب الكامنة وراء التردد الأوروبي في توسيع مهمة "أسبيدس" إلى مضيق هرمز، وتتركز جميعها حول الرغبة في تجنب الانجرار إلى صراع أوسع في منطقة الشرق الأوسط. يمكن تلخيص هذه الأسباب في النقاط التالية:

  • تجنب التصعيد مع إيران: يُعد مضيق هرمز ممرًا مائيًا حيويًا لإيران، وأي تواجد عسكري أوروبي مكثف قد يُنظر إليه على أنه استفزاز مباشر، مما يزيد من احتمالات المواجهة غير المرغوبة. أوروبا تفضل الحفاظ على قنوات دبلوماسية مع طهران وتجنب أي خطوات قد تعقد هذه العلاقات.
  • محدودية الموارد والولايات: تم تصميم مهمة "أسبيدس" بموارد محدودة ونطاق عمل دفاعي واضح. توسيعها ليشمل مضيق هرمز سيتطلب موارد إضافية كبيرة وتغييرًا جذريًا في ولايتها، وهو ما قد يتجاوز القدرات الحالية للدول المشاركة ورغبتها السياسية.
  • التركيز على التهديد الحالي: ترى الدول الأوروبية أن التهديد الأكثر إلحاحًا حاليًا هو الهجمات الحوثية في البحر الأحمر، وأن التركيز يجب أن يبقى على هذا المسرح لضمان فعالية المهمة الحالية.
  • تجنب "زحف المهمة": هناك مخاوف من أن يؤدي توسيع النطاق الجغرافي إلى "زحف المهمة" (Mission Creep)، حيث تتسع أهداف المهمة تدريجيًا لتشمل مهام لم تكن مقصودة في الأصل، مما قد يورط القوات الأوروبية في صراعات أوسع وأكثر تعقيدًا.
  • غياب الإجماع الأوروبي: على الرغم من وجود توافق على حماية الملاحة، إلا أن هناك تباينات بين الدول الأوروبية حول مدى الانخراط في القضايا الأمنية للشرق الأوسط، خاصة تلك التي تنطوي على مخاطر عسكرية مباشرة.

الضغط الأمريكي والبحث عن دور للناتو

منذ سنوات، تدعو الولايات المتحدة حلفاءها الأوروبيين وحلف الناتو إلى تحمل مسؤولية أكبر في تأمين الممرات المائية الدولية، خاصة في منطقة الخليج العربي. وقد تصاعدت هذه الدعوات مؤخرًا مع تزايد التوترات الإقليمية. ترى واشنطن أن تأمين مضيق هرمز ليس مسؤولية أمريكية وحدها، بل هو مصلحة عالمية تتطلب مشاركة دولية واسعة.

بالنسبة لحلف الناتو، فإن توسيع دوره ليشمل تأمين مضيق هرمز يمثل تحديًا كبيرًا. فالحلف يركز بشكل أساسي على الدفاع الجماعي لدوله الأعضاء في منطقة اليورو-أطلسية، وأي عمليات خارج هذه المنطقة تتطلب إجماعًا صعب المنال بين الدول الأعضاء، خاصة مع وجود أولويات أمنية أخرى ملحة، مثل الصراع في أوكرانيا.

الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز

لا يمكن التقليل من الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز. فهو يربط الخليج العربي بالمحيط الهندي، ويمر عبره ما يقرب من خُمس إمدادات النفط العالمية وكميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال. أي اضطراب في هذا الممر المائي سيكون له تداعيات كارثية على الاقتصاد العالمي وأسعار الطاقة. ولذلك، فإن تأمين هذا المضيق يُعد أولوية قصوى للقوى الكبرى، رغم اختلاف الرؤى حول كيفية تحقيق ذلك.

خاتمة: توازن صعب بين الأمن وتجنب الصراع

يعكس القرار الأوروبي برفض توسيع مهمة "أسبيدس" إلى مضيق هرمز توازنًا دقيقًا تسعى القارة إلى تحقيقه بين ضرورة حماية مصالحها الاقتصادية والأمنية، والرغبة الملحة في تجنب الانجرار إلى صراعات إقليمية قد تكون لها عواقب وخيمة. وبينما تستمر الضغوط الأمريكية، يبقى التحدي الأوروبي في إيجاد استراتيجية متماسكة وفعالة تخدم أهدافها دون أن تضعها في مواجهة مباشرة مع أطراف إقليمية، في مشهد جيوسياسي يزداد تعقيدًا يومًا بعد يوم.

# أوروبا، مضيق هرمز، أسبيدس، الناتو، الضغط الأمريكي، الأمن البحري، إيران، التصعيد، صراع إقليمي، البحر الأحمر
اقرأ هذا الخبر