إعدادات الصفحة
الوضع الداكن
--° القاهرة

إتقان لغات متعددة يحافظ على شباب الدماغ ومرونته، دراسة تكشف

بحث أوروبي واسع النطاق يؤكد أن التعدد اللغوي يقلل بشكل كبير
استمع للخبر عبد الفتاح يوسف 2026-02-02 22:06 11
إتقان لغات متعددة يحافظ على شباب الدماغ ومرونته، دراسة تكشف

عالمي - وكالة أنباء إخباري

إتقان لغات متعددة يحافظ على شباب الدماغ ومرونته، دراسة تكشف

في عصر يشهد فيه البشر أطول متوسط عمر على الإطلاق، أصبح التحدي المتمثل في الحفاظ على الحيوية المعرفية في سن الشيخوخة مصدر قلق بالغ للباحثين والمتخصصين في الرعاية الصحية. فبينما يمثل طول العمر انتصاراً للطب الحديث والتطور المجتمعي، فإنه يجلب معه أيضاً خطراً متزايداً للتدهور المعرفي المرتبط بالعمر. وقد سلطت دراسة جديدة رائدة، استندت إلى بيانات من مجموعة واسعة النطاق في جميع أنحاء أوروبا، الضوء على عامل وقائي رائع: التعدد اللغوي.

شرع العلماء في مهمة طموحة لتحديد العوامل الرئيسية التي تؤثر على وتيرة الشيخوخة المعرفية. تضمن بحثهم الموسع تحليل بيانات الصحة ونمط الحياة لأكثر من 86 ألف بالغ سليم، تتراوح أعمارهم بين 51 و 90 عاماً، ويمثلون 27 دولة أوروبية متنوعة. وقد أتاحت هذه المجموعة القوية من البيانات فرصة غير مسبوقة لاستكشاف التفاعل المعقد بين مختلف عوامل نمط الحياة وصحة الدماغ بمرور الوقت.

لتقييم عملية الشيخوخة بدقة، استخدم فريق البحث تقنيات تعلم آلي متطورة لتطوير نموذج قادر على حساب "العمر البيولوجي السلوكي" للفرد. تجاوز هذا المقياس المبتكر مجرد السنوات الزمنية، حيث قام بتقييم مدى "قدم" دماغ وجسم الشخص بناءً على مجموعة شاملة من المؤشرات. وشملت هذه المؤشرات أداء الذاكرة، والقدرات الوظيفية اليومية، والحركة البدنية، والمستوى التعليمي، والحالة الصحية العامة. ومن خلال مقارنة هذا العمر البيولوجي السلوكي المحسوب بالعمر الزمني الفعلي للفرد، تمكن الباحثون من تحديد ما إذا كان الشخص يتقدم في العمر بشكل أسرع أو أبطأ مما قد توحي به سنواته، مما يوفر منظوراً دقيقاً لمسار الشيخوخة.

كانت نتائج هذه الدراسة التي أجريت بدقة لا تقل عن كونها مثيرة للإعجاب، وتقدم أملاً كبيراً في تعزيز الشيخوخة الصحية. فقد كشفت النتائج عن علاقة واضحة ومقنعة: أظهر سكان البلدان التي تتميز بمستويات عالية من التعدد اللغوي، مثل لوكسمبورغ وهولندا وفنلندا ومالطا، علامات أقل للشيخوخة البيولوجية المتسارعة. وعلى النقيض من ذلك، وُجد أن الأفراد الذين يتحدثون لغة واحدة فقط كانوا في كثير من الأحيان أكبر بيولوجياً من عمرهم الزمني. وكان هذا التأثير الوقائي يتناسب طردياً مع عدد اللغات التي يتم التحدث بها؛ فكل لغة إضافية يبدو أنها تعزز مرونة الدماغ. وقد أظهر التعدد اللغوي، في جوهره، مزايا أكبر بكثير من مجرد معرفة لغة أجنبية واحدة.

كانت فوائد التحدث بلغات متعددة واضحة بشكل خاص في الفئة العمرية الأكبر سناً، وتحديداً بين الأفراد الذين تزيد أعمارهم عن 75 عاماً. فقد بدا أن كبار السن متعددي اللغات يمتلكون مرونة متأصلة تجاه التغيرات المرتبطة بالعمر، وهي حماية لم تكن موجودة بشكل ملحوظ لدى أقرانهم أحاديي اللغة. ويشير هذا إلى أن المزايا المعرفية للتعدد اللغوي قد تصبح أكثر أهمية مع تقدم الأفراد في سنواتهم الذهبية، مما قد يؤخر ظهور التدهور المعرفي المرتبط بالعمر أو يخفف من شدته.

لضمان متانة النتائج التي توصلوا إليها، تناول العلماء بدقة المتغيرات المربكة المحتملة. لقد حققوا بدقة فيما إذا كانت الآثار الملحوظة يمكن أن تُعزى ببساطة إلى اختلافات أخرى بين البلدان، مثل تفاوت مستويات الرفاهية الوطنية، أو جودة الهواء، أو الاستقرار السياسي. وبعد أخذ عشرات من هذه العوامل الوطنية في الاعتبار وتطبيق العديد من التعديلات الإحصائية، ظل التأثير الوقائي للتعدد اللغوي ثابتاً ومهماً. ويؤكد هذا الثبات القوي أن الصلة بين التحدث بلغات متعددة وتباطؤ شيخوخة الدماغ هي ظاهرة مباشرة ومستقلة، وليست مجرد نتيجة ثانوية لظروف مجتمعية أو بيئية أخرى.

يعتقد الباحثون أن الآلية الكامنة وراء هذه الظاهرة الرائعة تكمن في الجهد العقلي المستمر. فعندما يكون الفرد بارعاً في عدة لغات، تظل جميع هذه الأنظمة اللغوية نشطة في الدماغ. ويتطلب فعل التحدث أو الفهم من الدماغ أن يختار باستمرار اللغة المناسبة مع قمع اللغات الأخرى في نفس الوقت. وتعمل هذه العملية المعقدة كشكل من أشكال التدريب اليومي الصارم لأنظمة انتباه الدماغ وآليات التحكم المعرفي، على غرار تمرين عقلي يحافظ على المسارات العصبية حادة وفعالة.

ودعماً إضافياً لهذه الفرضية، أظهرت الدراسات العصبية تغيرات جسدية ملموسة في أدمغة الأفراد ثنائيي اللغة. تشير الأبحاث إلى أن الأشخاص الذين استخدموا لغتين طوال حياتهم غالباً ما يظهرون حجماً أكبر مادياً للحصين (Hippocampus) – وهي منطقة دماغية حرجة مسؤولة بشكل عميق عن تكوين الذاكرة والملاحة المكانية. ويرتبط حجم الحصين الأكبر باستمرار بوظيفة ذاكرة متفوقة وزيادة المرونة تجاه الأمراض التنكسية العصبية، مما يوفر أساساً بيولوجياً للمزايا المعرفية الملحوظة لدى الأفراد متعددي اللغات.

بينما لا يُعد التعدد اللغوي بالتأكيد حلاً سحرياً يمكنه إيقاف عملية الشيخوخة الطبيعية تماماً، تشير الأدلة المتراكمة بقوة إلى أنه أحد أهم العوامل وأكثرها سهولة في الوصول إليها التي يمكن أن تساعد الدماغ على البقاء مرناً وقابلاً للتكيف وشاباً وظيفياً لفترة أطول. وبالتالي، فإن تبني تعلم اللغة في أي عمر، أو الحفاظ على الكفاءة في لغات متعددة، يمكن أن يكون استراتيجية قوية في الجهد العالمي لتعزيز الشيخوخة المعرفية الصحية وتحسين نوعية الحياة لسكان يطول عمرهم بشكل متزايد.

# التعدد اللغوي، صحة الدماغ، الشيخوخة المعرفية، متوسط العمر المتوقع، بحث علمي، الحصين، ثنائية اللغة، المرونة العصبية
اقرأ هذا الخبر