إعدادات الصفحة
الوضع الداكن
--° القاهرة

اكتشافات فلكية: هل يمكن أن توجد مياه سائلة على أقمار الكواكب الشاردة؟

دراسة حديثة تكشف عن إمكانية وجود محيطات سطحية على أقمار تدور
استمع للخبر عبد الفتاح يوسف 2026-02-12 07:12 17
اكتشافات فلكية: هل يمكن أن توجد مياه سائلة على أقمار الكواكب الشاردة؟

الشرق الأوسط - وكالة أنباء إخباري

اكتشافات فلكية: هل يمكن أن توجد مياه سائلة على أقمار الكواكب الشاردة؟

لطالما كانت الكواكب الشاردة، المعروفة أيضًا بالكواكب الحرة التجوال، موضوعًا للفضول العلمي. هذه الأجرام السماوية التي لا ترتبط بنجم مضيف، تجوب المساحات الشاسعة بين النجوم وحيدة، ويُقدر عددها بما يعادل عدد النجوم في مجرتنا. ومع هذه الأعداد الهائلة، من المتوقع أن يكون بعضها مصحوبًا بأقمار، قد يصل حجم بعضها إلى حجم كوكب الأرض. مؤخرًا، قدمت دراسة جديدة ومثيرة للجدل، قُبلت للنشر في مجلة «Monthly Notices of the Royal Astronomical Society» ومتاحة أيضًا كنسخة أولية على موقع arXiv، رؤى غير متوقعة حول هذه الأقمار الخارجية الشاردة. يكشف البحث الذي أجراه ديفيد دالبودن وزملاؤه من جامعة لودفيغ ماكسيميليان في ميونيخ، عن إمكانية وجود مياه سائلة على أسطح بعض هذه الأقمار، وهو ما يتحدى المفاهيم التقليدية حول ظروف تشكل الحياة.

إن فكرة وجود مياه سائلة على سطح قمر لا يمتلك نجمًا قريبًا تبدو للوهلة الأولى منافية للمنطق. فالمياه السائلة تتطلب عادةً بيئة دافئة بما يكفي، وهذا الدفء يأتي في المقام الأول من طاقة النجم المضيف. ومع ذلك، يقترح الباحثون أن الإجابة تكمن في قوى المد والجزر. على الرغم من وجود تفاصيل دقيقة، إلا أن التدفئة المدّية (Tidal Heating) قادرة بشكل مؤكد على توفير الحرارة اللازمة للحفاظ على المياه في حالتها السائلة. هذه الظاهرة ليست غريبة على نظامنا الشمسي؛ فهي نفس القوة التي تغذي المحيطات تحت السطحية على أقمار مثل إنسيلادوس ويوروبا، بل وتتسبب في البراكين الصخرية المنصهرة على قمر آيو، وكل ذلك دون أي مدخل مباشر للطاقة من الشمس. إن قوى السحب والدفع الناتجة عن الكواكب العملاقة الغازية كافية لتسخين الأجزاء الداخلية لهذه الأقمار بدرجة كافية لإذابة الجليد.

ولكن هناك فارق جوهري: في نظامنا الشمسي، لا توجد مياه سائلة على السطح المكشوف لأي من هذه الأقمار. فإنسيلادوس ويوروبا، على سبيل المثال، يمتلكان طبقات جليدية ضخمة تغطي محيطاتهما السائلة، والتي تعمل كعازل حراري يحافظ على الحرارة المتولدة في جوف القمر، مما يسمح بوصول درجة الحرارة في تلك الأعماق إلى نقطة انصهار الماء. السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: كيف يمكن لأقمار الكواكب الشاردة هذه أن تحافظ على مياهها السائلة السطحية دون الاستفادة من طبقة جليدية تحبس الحرارة؟ هذا هو التحدي الذي سعت الدراسة الجديدة إلى معالجته.

في البداية، ركز التفكير الأصلي في هذا المجال، والذي توج بورقة بحثية سابقة لجوليا روشيتي من جامعة لودفيغ ماكسيميليان أيضًا، على ما إذا كان وجود غلاف جوي غني بثاني أكسيد الكربون (CO2) يمكن أن يحبس الطاقة الناتجة عن التدفئة المدّية على السطح دون الحاجة إلى طبقة جليدية. لتشكيل حاجز وقائي كافٍ، كان لا بد أن يكون ضغط ثاني أكسيد الكربون مرتفعًا بشكل ملحوظ. ومع ذلك، أظهرت النماذج أنه في ظل الضغط العالي والحرارة المنخفضة نسبيًا من قوى المد والجزر، يتكثف ثاني أكسيد الكربون إلى شكل سائل أو جليدي، مما يؤدي إلى انهيار الغلاف الجوي وتجمد القمر نفسه. هذا السيناريو أظهر أن ثاني أكسيد الكربون ليس الحل الأمثل.

لكن البحث الحالي يقدم غازًا بديلًا لا يبدو أنه يعاني من نفس المصير: الهيدروجين. فالهيدروجين لا يتحول إلى سائل إلا عند درجات حرارة منخفضة للغاية، مما يعني أنه لن ينهار من الغلاف الجوي. ومع ذلك، في الظروف العادية، يكون الهيدروجين شفافًا للطاقة تحت الحمراء، مما يعني أن الحرارة الناتجة عن قوى المد والجزر يمكن أن تتسرب ببساطة إلى الفضاء. لكن عند ضغوط عالية جدًا، تتصادم جزيئات H2 لتشكيل أقطاب ثنائية مؤقتة، وفي عملية تُعرف باسم الامتصاص الناجم عن الاصطدام (Collision-Induced Absorption - CIA)، تمتص الضوء تحت الأحمر. وهذا يجعل الغلاف الجوي الهيدروجيني يعمل بشكل فعال كبطانية دفيئة عملاقة، مما يسمح لسطح القمر بالبقاء دافئًا بدرجة كافية لوجود مياه سائلة، وذلك فقط بفضل التدفئة المدّية من كوكبه المضيف. هذا الاكتشاف يمثل نقلة نوعية في فهمنا لإمكانية الحياة خارج الأنظمة الشمسية التقليدية.

لإثبات هذه الفرضية، أجرى الباحثون سلسلة من المحاكاة لدرجة حرارة الأقمار ذات التركيبات والضغوط الجوية المختلفة، بالإضافة إلى تأثير مستويات مختلفة من التدفئة المدّية على إمكانية وجود المياه السائلة. استخدموا نموذجًا لانتقال الحرارة الإشعاعي ونموذجًا للكيمياء التوازنية لضمان انعكاس دقيق للأغلفة الجوية الحقيقية التي يمكن أن توجد على هذه الأقمار الشاردة. وكانت النتائج مذهلة للغاية. فلقد أظهرت المحاكاة أنه عند ضغوط قياسية شبيهة بضغط الأرض (1 بار)، يمكن أن توجد المياه السائلة على سطح هذه الأقمار لمدة تصل إلى 95 مليون سنة. والأكثر إثارة للإعجاب هو أنه عند ضغوط أعلى، تصل إلى 10 بار، يمكن أن تستمر المياه السائلة على السطح لمدة تصل إلى مليارات السنين. هذه المدة الزمنية الطويلة كافية بشكل كبير لتطور أشكال الحياة، مما يفتح آفاقًا جديدة تمامًا للبحث عن الحياة خارج كوكب الأرض، بعيدًا عن النجوم التي اعتقدنا أنها ضرورية للحياة.

تُشير هذه النتائج إلى أن الكواكب الشاردة وأقمارها قد تكون أكثر أهمية في البحث عن الحياة مما كان يُعتقد سابقًا. فإذا كانت المليارات من هذه الكواكب تجوب مجرتنا، وإذا كان جزء منها يمتلك أقمارًا بحجم الأرض بأغلفة جوية هيدروجينية، فإن عدد المواقع المحتملة للحياة في الكون قد يتزايد بشكل كبير. هذا البحث لا يغير فقط فهمنا لظروف الحياة، بل يدفعنا لإعادة التفكير في تعريف المناطق الصالحة للسكن خارج نظامنا الشمسي، ويُظهر أن الكون قد يكون مليئًا بالواحات الخفية التي تنتظر الاكتشاف.

# كواكب شاردة # أقمار خارج المجموعة الشمسية # مياه سائلة # تدفئة مدّية # غلاف جوي هيدروجيني # حياة خارج الأرض # فلك # استكشاف الفضاء # مناطق صالحة للسكن
اقرأ هذا الخبر