إعدادات الصفحة
الوضع الداكن
--° القاهرة

الاتحاد الأوروبي يرفض توسيع 'أسبيدس' لمضيق هرمز: خشية الانجرار لحرب إقليمية

بروكسل تتصدى للضغوط الأمريكية على الناتو لتأمين الممر الملاح
استمع للخبر كاثرين جونس 2026-03-17 17:32 9
الاتحاد الأوروبي يرفض توسيع 'أسبيدس' لمضيق هرمز: خشية الانجرار لحرب إقليمية

في خطوة تعكس الحذر الأوروبي المتزايد من الانجرار إلى صراعات إقليمية أوسع، رفض الاتحاد الأوروبي مقترحات لتوسيع نطاق مهمته البحرية الحالية، "عملية أسبيدس"، لتشمل مضيق هرمز الاستراتيجي. يأتي هذا القرار، الذي أعلنت عنه بروكسل وسط تصاعد الضغوط الأمريكية على حلف شمال الأطلسي (الناتو) للمساهمة في تأمين الممر الملاحي الحيوي، ليؤكد على تفضيل القارة لنهج الدبلوماسية وتجنب التصعيد العسكري في منطقة الشرق الأوسط المتوترة.

وقد لخصت رئيسة وزراء إستونيا، كايا كالاس، الموقف الأوروبي بوضوح قائلة: "لا أحد يريد الانخراط في الحرب"، في إشارة إلى المخاوف العميقة من أن يؤدي أي توسع للمهام العسكرية إلى جر الدول الأوروبية إلى مواجهة مباشرة أو غير مباشرة في منطقة تشهد بالفعل اضطرابات كبيرة. هذا الرفض لا يعكس فقط تقييمًا للمخاطر المحتملة، بل يشير أيضًا إلى اختلاف في الأولويات الاستراتيجية بين ضفتي الأطلسي.

مهمة "أسبيدس": نطاقها الحالي وأهدافها

تُعد "عملية أسبيدس" (Aspides)، والتي تعني "الدروع" باللغة اليونانية، مهمة بحرية دفاعية أطلقها الاتحاد الأوروبي في فبراير 2024 بهدف حماية السفن التجارية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب من هجمات جماعة الحوثي اليمنية. تركز المهمة بشكل أساسي على توفير مرافقة للسفن وتأمين حرية الملاحة في هذه الممرات الحيوية التي تعرضت لهجمات متكررة عطلت سلاسل الإمداد العالمية. وقد تم تحديد نطاق عمل "أسبيدس" بدقة ليشمل المناطق التي تشهد التهديدات المباشرة على السفن المتجهة إلى أو القادمة من قناة السويس، مع التركيز على الدفاع وليس الهجوم.

الهدف المعلن للمهمة هو استعادة الأمن البحري وضمان استمرار تدفق التجارة، مع الحفاظ على الحياد وعدم الانجرار إلى الصراع الإقليمي الأوسع. إن توسيع هذه المهمة لتشمل مضيق هرمز سيعني تغييرًا جذريًا في طبيعتها ومخاطرها، حيث أن المنطقة المحيطة بهرمز لديها ديناميكيات جيوسياسية مختلفة تمامًا تتطلب مقاربة أكثر حساسية وتعقيدًا.

أهمية مضيق هرمز الاستراتيجية والضغط الأمريكي

يُعد مضيق هرمز، الذي يربط الخليج العربي بخليج عمان وبحر العرب، أحد أهم الممرات الملاحية في العالم، حيث يمر عبره ما يقرب من خُمس إمدادات النفط العالمية وأكثر من ربع الغاز الطبيعي المسال. وبالتالي، فإن أي اضطراب في هذا المضيق يمكن أن يكون له تداعيات اقتصادية عالمية وخيمة. لطالما كانت الولايات المتحدة قلقة بشأن أمن هذا المضيق، خاصةً في ظل التوترات المستمرة مع إيران التي تسيطر على الضفة الشمالية للمضيق وتُهدد بإغلاقه بين الحين والآخر.

في هذا السياق، كثفت واشنطن ضغوطها على حلفائها في الناتو، ومن بينهم الدول الأوروبية، للمساهمة بشكل أكبر في تأمين المضيق. ترى الولايات المتحدة أن الأمن البحري في الخليج العربي هو مسؤولية جماعية تتطلب مشاركة دولية واسعة، خاصةً من الدول التي تعتمد اقتصاداتها بشكل كبير على النفط والغاز المارين عبر هذا الممر. وتأتي هذه الدعوات في ظل سعي أمريكي لتقاسم الأعباء وتشكيل جبهة موحدة لمواجهة ما تعتبره تهديدات للملاحة الدولية.

لماذا ترفض أوروبا؟ حسابات المخاطر وتجنب التصعيد

الرفض الأوروبي لتوسيع مهمة "أسبيدس" إلى مضيق هرمز ينبع من عدة اعتبارات استراتيجية وسياسية معقدة. أولاً وقبل كل شيء، هناك خشية حقيقية من الانجرار إلى صراع إقليمي أوسع. المنطقة المحيطة بمضيق هرمز هي نقطة اشتعال محتملة، وأي وجود عسكري أوروبي موسع قد يُنظر إليه على أنه استفزاز أو انحياز لطرف ضد آخر، مما قد يؤدي إلى تصعيد غير مرغوب فيه.

ثانيًا، ترى الدول الأوروبية أن مهمة "أسبيدس" الحالية في البحر الأحمر هي بالفعل مهمة معقدة وتتطلب موارد كبيرة. إضافة مضيق هرمز إلى نطاقها سيزيد من الضغط على الموارد البحرية الأوروبية المحدودة، وقد يُشتت التركيز عن الهدف الأصلي للمهمة في البحر الأحمر. كما أن طبيعة التهديدات في هرمز قد تختلف عن تلك في البحر الأحمر، مما يتطلب استراتيجيات وقدرات مختلفة.

ثالثًا، هناك اختلافات في الأولويات الاستراتيجية بين الدول الأوروبية نفسها، وبين أوروبا والولايات المتحدة. بينما تركز واشنطن بشكل كبير على احتواء النفوذ الإيراني وضمان أمن الطاقة العالمي، فإن العديد من الدول الأوروبية تفضل نهجًا أكثر حذرًا لتجنب تأجيج التوترات مع طهران، مع الأخذ في الاعتبار العلاقات الدبلوماسية والتجارية القائمة. كما أن بعض الدول الأوروبية قد تكون أقل استعدادًا لتحمل المخاطر العسكرية في منطقة بعيدة عن حدودها المباشرة، خاصةً في ظل التحديات الأمنية الأخرى التي تواجهها القارة.

رابعًا، يخشى الأوروبيون من أن يؤدي توسيع المهمة إلى فقدان الحياد الذي تحاول "أسبيدس" الحفاظ عليه في البحر الأحمر، مما قد يعرض سفنهم التجارية ومصالحهم لمخاطر أكبر. إن الحفاظ على خطوط اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف الإقليمية يُعد أولوية لضمان استقرار طويل الأمد، وهو ما قد يتعارض مع توسيع الدور العسكري.

التداعيات والآفاق المستقبلية

قرار الاتحاد الأوروبي هذا له تداعيات مهمة على الأمن البحري العالمي والعلاقات عبر الأطلسي. فمن ناحية، قد تضطر الولايات المتحدة إلى البحث عن حلول أخرى لتأمين مضيق هرمز، ربما من خلال تعزيز وجودها الخاص أو تشكيل تحالفات مع دول إقليمية أخرى. ومن ناحية أخرى، يُسلط الضوء على استقلالية القرار الأوروبي ورغبته في تحديد أولوياته الأمنية بما يتناسب مع مصالحه دون الانجرار بالضرورة إلى كل دعوة أمريكية.

في المستقبل المنظور، من المرجح أن يستمر الاتحاد الأوروبي في التركيز على مهمة "أسبيدس" في نطاقها الحالي، مع مراقبة الوضع في مضيق هرمز عن كثب. ستبقى الدبلوماسية والجهود الرامية إلى خفض التصعيد هي الركيزة الأساسية للسياسة الأوروبية في المنطقة، مع التأكيد على أن الأمن البحري يجب أن يتحقق من خلال التعاون الدولي الشامل وليس فقط من خلال الوجود العسكري المكثف. إن رسالة أوروبا واضحة: الحفاظ على السلام وتجنب الصراع أولوية قصوى، حتى في ظل الضغوط المتزايدة.

# الاتحاد الأوروبي # مضيق هرمز # عملية أسبيدس # الأمن البحري # الناتو # الصراع الإقليمي # الضغط الأمريكي # كايا كالاس
اقرأ هذا الخبر