مصر - وكالة أنباء إخباري
التربية الإيجابية: هل أصبحت مبرراً للتساهل المطلق؟
في السنوات الأخيرة، اكتسب مصطلح "التربية الإيجابية" زخماً غير مسبوق، ليتحول من مفهوم تربوي هادئ إلى عنوان رئيسي يتصدر نقاشات الآباء والمربين. لكن اللافت للنظر هو أن هذا الانتشار الواسع لم يخلُ من بعض سوء الفهم والتطبيق السطحي، مما دفع البعض إلى تفسيره على أنه دعوة لإلغاء الحزم تماماً، أو حتى الصمت أمام الأخطاء، خشية اتهامهم بـ"القسوة" أو "الجمود التربوي". في خضم هذا التباين بين الفهم الحقيقي للنهج التربوي وبين إساءة استخدامه، يبرز تساؤل جوهري حول مدى صحة هذا الأسلوب فعلاً، وما إذا كان تطبيقه الخاطئ قد ينجم عنه أضرار نفسية خفية ومقنعة للأطفال.
خبيرة أسرية: التربية الإيجابية هي الاحترام والفهم وليس إلغاء الحدود
في هذا السياق، تواصلت "بوابة إخباري" مع الدكتورة ريهام عبد الرحمن، إخصائي أسري وباحثة في الصحة النفسية، لتسليط الضوء على الجوانب الأساسية للتربية الإيجابية الصحيحة. أوضحت الدكتورة عبد الرحمن في حديثها لـ"بوابة إخباري": "التربية الإيجابية لا تعني أبداً غياب القواعد أو التخلي عن مسؤولية الوالدين في وضع الضوابط. بل هي في جوهرها أسلوب تربوي واعٍ يرتكز على مبدأ الاحترام المتبادل بين الأهل والأبناء، والفهم العميق للحالة العاطفية للطفل. يتمثل جوهرها في وضع حدود واضحة وثابتة، لكن يتم تطبيقها دون اللجوء إلى العنف أو الإهانة. وفي هذا النهج، يُنظر إلى السلوك الخاطئ على أنه رسالة تحتاج إلى تفكيك وفهم وتوجيه، وليس كجريمة تستوجب العقاب القاسي".
اقرأ أيضاً
شروط التربية الإيجابية الصحية: بناء طفل متزن ومسؤول
وتشير الدكتورة عبد الرحمن إلى أن التربية الإيجابية تصبح منهجاً صحياً وفعالاً عندما تتحقق الشروط التالية:
- مراعاة الفروقات الفردية: يجب أن يأخذ الأهل في الاعتبار المرحلة العمرية التي يمر بها الطفل وقدراته النفسية والعقلية في طريقة تعاملهم وتوجيههم.
- الاستبدال المدروس: استبدال الأوامر المباشرة والصراخ بقواعد محددة وواضحة يفهمها الطفل ويستوعب أهميتها.
- الأمان النفسي بدون تدليل مفرط: أن يشعر الطفل بالأمان العاطفي والطمأنينة، مع ضرورة تحقيق التوازن وعدم الانزلاق نحو التدليل المفرط الذي قد يعيق نموه.
- الفصل بين الخطأ والشخص: التمييز بوضوح بين رفض السلوك الخاطئ للطفل وبين احترام شخصه وكيانه كإنسان.
وتضيف الدكتورة عبد الرحمن أن اتباع هذه الأسس يخلق بيئة تربوية داعمة تساعد على تنشئة طفل متزن نفسياً، قادر على التعبير عن مشاعره بصدق، ومستعد لتحمل مسؤولية خياراته واتخاذ قراراته في المستقبل.
تحذير من التطبيق المشوه: خطر بناء طفل غير قادر على مواجهة الواقع
من ناحية أخرى، تحذر الدكتورة عبد الرحمن بشدة من شيوع الخطأ ليس في فكرة التربية الإيجابية بحد ذاتها، بل في تطبيقاتها المشوهة التي تبتعد كل البعد عن جوهرها. وتبرز هذه التطبيقات المشوهة في صور متعددة:
- الاختزال في "لا": اختزال مفهوم التربية الإيجابية في مجرد إلغاء كلمة "لا" ومنع استخدامها، مما يفتح الباب أمام سلوكيات غير مرغوبة.
- الخوف من وضع الحدود: خوف الأهل من فرض أي قيود أو حدود على الطفل خشية أن يشعر بالضيق أو الانزعاج، مما يؤدي إلى طفل غير قادر على الانضباط.
- غياب العواقب المنطقية: التخلي عن تطبيق العواقب المنطقية للأخطاء، وعدم ربط الفعل بنتيجته.
- منح سلطة تفوق العمر: منح الطفل سلطة تفوق عمره وقدرته النفسية، مما يفقده الإحساس بالمسؤولية.
وتؤكد الدكتورة عبد الرحمن أن هذا النمط من التربية، الذي يخلط بين الإيجابية والتساهل المفرط، قد ينتج عنه طفل يعاني من صعوبة في تقبّل الإحباط، ويجد نفسه غير قادر على الالتزام بالقواعد، ويصطدم لاحقاً بواقع اجتماعي وقانوني لا يدار بالمشاعر وحدها، بل يتطلب فهماً للقواعد والمسؤوليات.
نقاط أساسية لضبط مفهوم التربية الإيجابية
لضبط مفهوم التربية الإيجابية بشكل صحيح، تؤكد الدكتورة عبد الرحمن على النقاط الأساسية التالية:
- الحب غير المشروط للسلوك: الطفل محبوب دائماً، لكن سلوكه الخاطئ هو ما يُناقش ويُصحّح.
- القواعد والأمان: القواعد التربوية تمنح الطفل شعوراً بالأمان والثبات، وليست دليلاً على قسوة الأهل.
- العواقب المنطقية أقوى: العواقب المنطقية للأفعال أشد تأثيراً وتعليماً من العقاب، فهي تعلم الطفل تحمل نتيجة أفعاله دون إذلال.
- الهدوء قوة: الهدوء في التعامل مع الأخطاء هو أداة تربوية فعالة، وليس علامة على ضعف شخصية الأهل.
- القدوة أولاً: القدوة الحسنة هي أساس أي أسلوب تربوي ناجح؛ فالأطفال يتعلمون ويترجمون ما يرونه إلى سلوكيات أكثر بكثير مما يسمعونه.
الموضوعات المتعلقة:
#التربية_الإيجابية #الصحة_النفسية #تنمية_الطفل #علم_النفس_الأسري #الحوار_الأسري #تطوير_الذات
أخبار ذات صلة
- لجنة التنسيق والمتابعة بوحدة السكان بمركز ومدينة أرمنت تنظم ندوة ضمن مبادرة رفقا بالقوارير والمؤنسات الغاليات
- رئيس جامعة طيبة التكنولوجية يتفقد انطلاق الامتحانات العملية لنهاية العام الجامعي 2024
- بالإنفوجراف.. توقعات إيجابية للاقتصاد المصري من المؤسسات الدولية للعام المالي 2024/ 2025
- خبير مياة مصري يعرب عن قلقه من زلزال أثيوبيا
- الأنبا يواقيم يترأس صلوات قداس عيد استشهاد الأم دولاجى وأولادها الأربعة بكنيستها جنوب الأقصر