القاهرة - وكالة أنباء إخباري
الجزر الإيرانية الاستراتيجية: من أهداف الحرب المحتملة إلى ركيزة للتهدئة الهشة في مضيق هرمز
عادت الجزر الإيرانية المنتشرة بين شمال الخليج العربي ومدخل مضيق هرمز إلى صدارة المشهد الإقليمي والدولي، ليس فقط بوصفها نقاطاً استراتيجية حيوية، بل كأهداف عسكرية محتملة في أي تصعيد للتوترات. هذه الجزر، التي تجمع في أهميتها بين النفط والملاحة والردع، اكتسبت أهمية قصوى في تقديرات الأوساط الأميركية والإسرائيلية، وذلك في ظل اقتراب المهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإعادة فتح مضيق هرمز، وتصاعد التهديدات باستهداف البنية التحتية الإيرانية. ومع ذلك، طرأ تطور مفاجئ قبيل انتهاء المهلة، تمثل في إعلان واشنطن وطهران عن اتفاق مبدئي لتعليق الهجمات لمدة أسبوعين، ما يفتح نافذة دبلوماسية حرجة تستضيفها باكستان.
تُعد هذه الجزر المحورية نقاط ارتكاز لمرحلة جديدة من الصراع، تتجاوز الضغط العسكري التقليدي إلى مساعٍ لضرب مفاصل الطاقة والعبور والتموضع الاستراتيجي في أحد أكثر الممرات المائية حساسية في العالم. ففي قلب هذه الخريطة، تبرز جزيرة خرج كشريان حيوي للصادرات النفطية الإيرانية، بينما تتوزع على الجزر الأخرى وظائف التحكم بالعبور، والتحصين العسكري، والتموضع المتقدم.
اقرأ أيضاً
جزيرة خرج: القلب الاقتصادي النابض لطهران
تحتل جزيرة خرج مكانة استثنائية ضمن البنية الاستراتيجية الإيرانية، فهي الشريان الحيوي الذي يضخ غالبية صادرات النفط الخام للجمهورية الإسلامية. تقع الجزيرة في شمال الخليج على بعد حوالي 30 كيلومتراً من الساحل الإيراني، مما يضعها ضمن المدى الفعال للصواريخ والطائرات المسيرة والمدفعية الإيرانية. تنبع أهميتها الاقتصادية من كونها تضم المحطة الرئيسية التي تمر عبرها تقريباً جميع صادرات إيران النفطية، وتؤمّن الجزء الأكبر من إيرادات الدولة من الخام، ما يجعلها هدفاً محتملاً في أي صراع يسعى لضرب مصادر تمويل النظام.
تطورت خرج بشكل كبير خلال طفرة النفط الإيرانية في الستينيات والسبعينيات، نظراً لضحالة أجزاء واسعة من الساحل الإيراني، مما كان يمنع رسو ناقلات النفط العملاقة. وبفضل مرافئها ومحطاتها العميقة، أصبحت خرج البوابة الأهم لتصدير النفط الإيراني، لا سيما إلى الأسواق الآسيوية، وفي مقدمتها الصين. نظرياً، قد يشكل أي سيطرة أميركية على الجزيرة خنقاً لشريان مالي حيوي لطهران، وورقة ضغط لإبقائها على مضيق هرمز مفتوحاً. كما يمكن أن تتحول إلى منصة متقدمة للضغط العسكري على البر الإيراني.
غير أن هذا الإغراء يصطدم بعوائق عملية ضخمة. فالاستيلاء على خرج يتطلب تثبيت قوات أميركية على جزيرة صغيرة قريبة جداً من الساحل الإيراني، ما يعرضها لخطر الاستهداف المستمر من الطائرات المسيرة والصواريخ والمدفعية الإيرانية، إضافة إلى احتمالية استخدام الألغام والزوارق السريعة. وقد تتحول القوة المهاجمة إلى هدف ثابت ومعرض للاستنزاف. يتطلب الاحتفاظ بالجزيرة غطاءً جوياً دائماً ومنظومات دفاع جوي متقدمة وخطوط إمداد محمية. وقد عززت طهران تحصيناتها في خرج مؤخراً، بنشر عناصر إضافيين ووسائل دفاع جوي، مع إشارات إلى وجود ألغام في محيطها. كما هددت باستهداف القوات الأميركية وضرب بنى الطاقة لشركات متعاملة مع واشنطن في حال استهداف منشآتها النفطية. وتضم الجزيرة أيضاً خزانات نفط ومساكن لآلاف العمال، إلى جانب مواقع أثرية مثل حصن برتغالي قديم ودير مسيحي، ما يضيف تعقيداً لأي عملية عسكرية.
جزر لارك وقشم: التحكم الملاحي والعمق الاستراتيجي
تُعد جزيرة لارك الصغيرة الأشد ارتباطاً بالتحكم الملاحي في مضيق هرمز. فموقعها شرق قشم وجنوب هرمز، في أضيق نقطة في المضيق، يمنحها قيمة تتجاوز حجمها الجغرافي. ترتبط لارك مباشرةً بحركة السفن في هذا الممر الحيوي، وتضم قاعدة عسكرية إيرانية. تكمن أهميتها في الحرب الراهنة بوظيفتها على خط الملاحة، حيث يُعتقد أن "الحرس الثوري" خصص مساراً ملاحياً معيناً للسفن التي يسمح لها بعبور المضيق عبرها. تقع لارك قبالة ميناء بندر عباس، في منطقة تمر عبرها ناقلات النفط للتفتيش أو المراقبة، مما يجعلها هدفاً منطقياً لضرب قدرة إيران على فرض سيطرتها الميدانية على هرمز.
أما قشم، كبرى جزر الخليج، فتمتد لمسافة 100 كيلومتر في مضيق هرمز، وتضم كتلة سكانية كبيرة. تظهر قشم كمركز مدني وسياحي بفضل شواطئها وتراثها الجيولوجي ومحطة تحلية المياه التي تغذي عشرات القرى. عسكرياً، لا تُعد قشم هامشية لقربها من لارك وهرمز، وتماسها المباشر مع الممر البحري الحيوي. يمثل ميناؤها أحد المنافذ الرئيسية للمنتجات القادمة من الإمارات، ما يمنحها وزناً لوجيستياً وتجارياً. كما تُطرح قشم كقاعدة محتملة لمنشآت صاروخية ومسيرات تحت الأرض، ما يضفي عليها بعداً استراتيجياً أعمق.
الجزر الإماراتية المحتلة (أبو موسى، طنب الكبرى، طنب الصغرى) وسيري: حصون الردع المتقدمة
تندرج أبو موسى، إحدى الجزر الإماراتية المحتلة، ضمن الحزام الذي يحرس مدخل مضيق هرمز من الجهة الغربية، ما يمنحها قيمة عملياتية مباشرة في أي مواجهة تتعلق بحرية الملاحة أو أمن الشحنات النفطية. يصفها الخبراء بأنها موقع محصن أشبه بالحصن الصغير، تنتشر فيه صواريخ مضادة للسفن. وقد عززت طهران وجودها فيها بنشر وحدات من بحرية "الحرس الثوري" مزودة بأنظمة صاروخية جديدة قادرة على استهداف القواعد والسفن المعادية. وبذلك، تُصبح أبو موسى نقطة تمركز متقدمة ضمن بنية الردع البحري الإيراني.
طنب الكبرى، التي احتلتها القوات الإيرانية في نوفمبر 1971، تكتسب أهمية بالغة لتموضع القوات الإيرانية فيها ولإجراء المناورات العسكرية ونشر الحاميات والأصول الصاروخية. السيطرة عليها يمكن أن يحرم إيران من استخدامها لأغراض هجومية ضد الملاحة. وطنب الصغرى، رغم صغرها، تدخل في المنظومة نفسها، بوجود منشآت عسكرية هجومية لبحرية "الحرس الثوري" قرب ممرات السفن الوافدة إلى الخليج، ما يمنحها وزناً عسكرياً يفوق حجمها.
أخيراً، جزيرة سيري، وإن كانت أقل تفصيلاً، تذكر ضمن الجزر المحصنة التي تضم صواريخ مضادة للسفن التابعة لـ"الحرس الثوري"، ولطالما كانت موقعاً لتدريب قواته البحرية. توصف سيري بأنها موقع تحصين وتموضع يندرج في شبكة أوسع للردع والسيطرة على المجال البحري.
التهدئة المباغتة: نافذة دبلوماسية في ظل الأزمة الاقتصادية
عادت هذه الجزر إلى الواجهة لأنها تختصر أربع معادلات استراتيجية في آن واحد: النفط، والملاحة، والسيادة، والردع. فمن يريد الضغط الاقتصادي على إيران ينظر إلى خرج؛ ومن يسعى لكسر قبضتها على العبور يرى لارك والجزر القريبة من هرمز؛ ومن يطمح لتقليص قدرتها على تهديد السفن والقواعد يركز على الحزام المحصن الذي يضم أبو موسى وطنب الكبرى والصغرى وسيري. في سياق متصل، كان اجتماع رؤساء وكالة الطاقة الدولية وصندوق النقد والبنك الدوليين لبحث أزمة الطاقة، وتسجيل خام برنت مستويات قياسية (144.42 دولار للبرميل)، وفشل مجلس الأمن في اعتماد قرار حول هرمز، وتحذير صندوق النقد الدولي من أن الصراع يشكل "اختباراً قاسياً" لاستقرار الأسواق الناشئة، كلها مؤشرات على حجم الأزمة التي سبقت إعلان التهدئة.
قبيل نفاد المهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وتحديداً قبل 90 دقيقة من الموعد النهائي، أعلنت واشنطن وطهران عن اتفاق مفاجئ لتعليق الهجمات من الجانبين لمدة أسبوعين. هذا الاتفاق جاء ليسمح بفتح مضيق هرمز بأمان للعبور خلال هذه الفترة، "بالتنسيق مع القوات المسلحة الإيرانية ومع مراعاة القيود التقنية". ومن المقرر أن تستضيف باكستان مفاوضات مباشرة بين الطرفين بدءاً من الجمعة المقبل لإبرام اتفاق نهائي، وقد أكد رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف أن الولايات المتحدة وإيران وحلفاءهما قد اتفقوا على وقف إطلاق نار "في كل مكان، بما في ذلك لبنان". هذا التطور يمثل تحولاً جذرياً، وإن كان مؤقتاً، في مسار التوترات، ويفتح الباب أمام حلول دبلوماسية قد تخفف من حدة المواجهة في الخليج العربي، لكنه لا يلغي الأهمية الاستراتيجية المتأصلة لهذه الجزر في أي تسوية مستقبلية أو تجدد للتوتر.