في خضم التوترات الإقليمية المتصاعدة والحديث عن سيناريوهات الصراع المحتملة، سلّط محللون، في تحليلات بثتها قناة الجزيرة، الضوء على الأسباب الكامنة وراء قدرة النظام السياسي في إيران على الصمود والاستمرارية. جاء ذلك في سياق مناقشة سيناريو افتراضي لـ"الضربة الأولى" في حرب أمريكية إسرائيلية، استهدفت رأس هرم السلطة الإيرانية، بما في ذلك اغتيال المرشد الأعلى وعدد من كبار القادة العسكريين والأمنيين.
وفقاً للسيناريو الذي تم تحليله، فإن الضربة الإسرائيلية الافتراضية، التي نفذت في اليوم الأول من الحرب، كانت تهدف إلى شل منظومة صنع القرار الإيراني، في تطبيق لما يُعرف عسكرياً باستراتيجية "ضرب الرأس". هذه الاستراتيجية تقوم على افتراض أن تعطيل القيادة المركزية العليا سيؤدي إلى انهيار سريع للنظام أو عجزه عن الرد الفعال. إلا أن التطورات التي تلت هذا الهجوم الافتراضي، بحسب المحللين، أظهرت احتفاظ النظام الإيراني بقدرته على إدارة الدولة والرد العسكري، مما أثار تساؤلات واسعة بشأن بنية هذا النظام وأسباب صموده غير المتوقع.
عقيدة "الدفاع الفسيفسائي": جوهر الصمود
يعزو المحللون هذا الصمود إلى عقيدة أمنية وعسكرية متطورة تبنتها طهران على مدى عقود، تُعرف باسم "الدفاع الفسيفسائي". تقوم هذه العقيدة على مبدأ توزيع مراكز القوة والقرار على وحدات متعددة ومستقلة نسبياً، بدلاً من تركيزها في مركز واحد يمكن تعطيله بضربة واحدة. وبموجب هذه العقيدة، لا يعتمد النظام الإيراني على "زر إيقاف" واحد يمكن أن يوقف عمل الدولة بأكملها، بل يعتمد على شبكة واسعة من المؤسسات والقيادات الميدانية التي تستطيع مواصلة العمل واتخاذ القرارات حتى في حال فقدان القيادة المركزية أو تعرضها لضربات قاسية.
اقرأ أيضاً
- ترامب يمهد للعبث بنتائج انتخابات التجديد النصفي بمزاعم غير مؤكدة
- تصعيد خطير: أمريكا تواصل ضرباتها وإيران تستهدف قواعد أمريكية بالمنطقة
- إسرائيل تعلن عن خطط استيطانية جديدة في غزة وتمويل ضخم بالضفة الغربية
- حرائق الغابات تتفاقم عالمياً وتجبر رجال الإطفاء على خيارات صعبة
- فيلم هندي يكشف جرائم البنجاب يحظر بقرار حكومي
تتجلى هذه البنية اللامركزية بوضوح في هيكل الحرس الثوري الإيراني، الذي يُعد الذراع العسكرية الأكثر نفوذاً في البلاد. يعمل الحرس الثوري عبر 32 قيادة إقليمية، لكل منها مخزون أسلحة مستقل وقدرة على اتخاذ القرار العملياتي. ويشمل ذلك القدرة على إطلاق الصواريخ والطائرات المسيَّرة وفق أوامر عامة سابقة، في حال تعرض البلاد لهجوم مباشر وشامل، مما يضمن استمرارية الرد العسكري حتى في غياب التوجيهات المركزية الفورية.
ولا يقتصر هذا الهيكل على المؤسسات العسكرية الرسمية فحسب، بل يمتد ليشمل ما يُوصف بـ"الدولة العميقة" في إيران. هذه الدولة العميقة تضم أجهزة الاستخبارات، والحرس الثوري نفسه، وقوات التعبئة الشعبية المعروفة باسم "الباسيج". تشكل هذه الشبكات المتشابكة منظومة القرار الفعلية التي تضمن استمرارية النظام وحيويته في حال تعرض القيادة السياسية لضربات موجعة، مما يوفر طبقة إضافية من الحماية ضد الانهيار.
تحليلات الخبراء: تماسك المؤسسات وسرعة التعويض
في تحليل لعوامل صمود النظام، أشار محلل البيانات محمد رمّال إلى أن التقارير الصادرة عن دوائر الاستخبارات الغربية تشير إلى أسباب رئيسية عدة حالت دون انهيار النظام الإيراني في السيناريو الافتراضي. من أبرز هذه الأسباب تماسك مؤسسات الدولة، وعلى رأسها الحرس الثوري والأجهزة الأمنية وقوات الباسيج، إضافة إلى قدرة النظام على تعويض القيادة بسرعة فائقة.
وأوضح رمّال أن مجلس خبراء القيادة، وهو هيئة دستورية مهمة، سارع إلى انتخاب مرشد أعلى جديد بعد اغتيال المرشد السابق في السيناريو الافتراضي، وهو ما أسهم بشكل حاسم في الحفاظ على استمرارية السلطة ومنع حدوث فراغ سياسي في قمة النظام. كما أشار إلى الدور المحوري الذي أداه المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني في الحفاظ على انسجام عملية صنع القرار والتنسيق خلال مرحلة الحرب الافتراضية.
من جانبه، أشار الصحفي المتخصص في الشأن الإيراني عبد القادر فايز إلى أن النظام الإيراني يقوم على أربع ركائز رئيسية تفسر قدرته على الصمود: وهي تماسك مؤسساته الأمنية والعسكرية، واللامركزية في اتخاذ القرار، والقدرة على تعويض القيادات بسرعة، وتجذر ما يُعرف بـ"الدولة العميقة" في نسيج المجتمع والدولة.
نقاط الضعف وسوء التقدير
على الرغم من قدرتها على ضمان الاستمرارية، فإن هذه البنية اللامركزية لا تخلو من نقاط ضعف محتملة. فقد يؤدي تعدد مراكز القرار إلى تشتت في العمليات العسكرية أو تنفيذ هجمات غير منسقة في بعض الأحيان، فضلاً عن الضغوط الاقتصادية المزمنة التي تواجهها البلاد والتي قد تؤثر على قدرتها الشاملة على الصمود على المدى الطويل.
أخبار ذات صلة
وفي هذا السياق، يرى خبراء أن هذه البنية المعقدة قللت بشكل كبير من فاعلية استراتيجية "قطع الرأس" التي راهنت عليها الولايات المتحدة وإسرائيل في بداية الحرب الافتراضية. وأكد الخبير في شؤون الأمن القومي، بيتر منصور، أن الإدارة الأمريكية والحكومة الإسرائيلية ربما افترضتا أن اغتيال القيادة العليا للنظام سيؤدي سريعاً إلى انهياره، لكن الواقع الافتراضي أظهر أن النظام الإيراني أكثر تعقيداً وترسُّخاً مما كان متوقعاً.
وأشار منصور إلى أن الحرس الثوري متجذر بعمق في بنية الدولة الإيرانية ومؤسساتها، وهو ما يجعل تفكيكه أو إضعافه مهمة أكثر صعوبة بكثير من مجرد استهداف القيادات. كما لفت إلى أن الضربات الجوية، رغم قدرتها على تدمير القدرات العسكرية المادية، لا تكفي وحدها لتغيير الأنظمة السياسية أو دفعها إلى تغيير سياساتها الجذرية. واختتم منصور حديثه بالإشارة إلى أن مستقبل أي صراع قد يشهد تبايناً في الأهداف بين واشنطن وتل أبيب، حيث قد تسعى الإدارة الأمريكية إلى إنهاء الصراع بسرعة لتجنب تداعياته الاقتصادية العالمية، في حين قد تواصل إسرائيل السعي لتحقيق أهداف أوسع تتعلق بإضعاف النظام الإيراني أو إسقاطه.