القاهرة - وكالة أنباء إخباري
هل الديمقراطية في خطر؟ تأملات في أزمة الأنظمة الغربية والآسيوية
لطالما ارتبط مفهوم الديمقراطية في الأذهان بمساحات الحرية الغربية، حيث يفترض أن تعكس أنظمة الحكم آراء الأغلبية ورغباتها، وأن يتم الوصول إلى السلطة التنفيذية عبر انتخابات برلمانية تفضي إلى قيادة تحكم ومعارضة تراقب وتحاسب. إلا أن الأحداث الأخيرة، بدءاً من الاحتجاجات الواسعة في مينيابوليس على ما اعتبره المحتجون تجاوزات للسلطة الفيدرالية وانتهاكاً للحقوق الدستورية، وصولاً إلى تحليل أستاذي العلوم السياسية الأميركيين ليفيتسكي وزيبلات في كتابهما "كيف تموت الديمقراطيات"، تشير إلى أن الواقع قد يكون أبعد ما يكون عن هذه الصورة المثالية.
يشير التحليلان إلى سلوكيات سياسية غير مسبوقة في الولايات المتحدة، مثل تعامل السياسيين مع خصومهم كأعداء، وترهيب الصحافة الحرة، والتهديد برفض نتائج الانتخابات، فضلاً عن السعي لإضعاف الحواجز المؤسسية التي تحمي الديمقراطية. هذه الممارسات، متزامنة مع تخفيضات في تمويل برامج حقوق الإنسان، والتسييس الصارخ للمؤسسات، وتعزيز السلطات التنفيذية، وتقويض شرعية الأقليات، وتآكل حرية الإعلام، تعيد تشكيل المشهد الديمقراطي عالمياً في اتجاه مقلق نحو السلطوية والانغلاق.
اقرأ أيضاً
- تيد لاسو الموسم الرابع: موعد عرض الحلقة الرابعة على Apple TV وتوقعات الموسم الجديد
- لينوس تورفالدس ولينكس: قصة شغف بدأت كهواية قبل 35 عامًا وكادت أن تُسمى 'Freax'
- «الحاسوب المحمول» من Perplexity: ثورة الذكاء الاصطناعي المحلي على جهازك
- شريحة أبل M5 ألترا: أقوى معالج للذكاء الاصطناعي بأداء غير مسبوق في أجهزة ماك
- وداعاً لبطء ويندوز: FydeOS يحول حاسوبك القديم إلى كروم بوك مجاني فائق السرعة
لم تنشأ الديمقراطية فجأة، بل تطورت تدريجياً كاستجابة للبحث عن سبل للتخلص من الاستبداد وإشراك الأفراد في صنع القرار. يعود أصل المصطلح إلى الكلمتين اليونانيتين "ديموس" (الشعب) و"كراتوس" (الحكم)، مع تجذرها في أثينا عبر مبادئ المساواة السياسية والنقاش العام والمساءلة. كما ساهمت الجمهورية الرومانية في ترسيخ مبادئ المؤسسات التمثيلية وحكم القانون. ومع ذلك، فإن تاريخ الحروب، سواء الداخلية أو بين الدول، يشير إلى أن الديمقراطية كفلسفة لم تضمن دائماً السلام والوئام.
تكمن المشكلة الأساسية، كما يرى محللون، ليس في الديمقراطية بحد ذاتها، بل في من ينتهك مبادئها ويدعي ممارستها بينما يقوضها. يتجلى ذلك في علاقات القوة عبر الحدود، حيث تسعى الدول الكبرى للسيطرة على الدول الأصغر ونهب مواردها، مدفوعة بالاعتبارات الجيوسياسية والمصالح الاقتصادية. وفي الغرب، تثير ممارسات تقويض "الحلم" الديمقراطي، خاصة في الولايات المتحدة، تساؤلات حول الاتجاه نحو الحكم الاستبدادي، كما أشار إليه باحثون في سياق سياسات إدارة ترمب، وما وصفته المؤرخة آن آبلباوم بأنه سعي نحو "دولة الحزب الواحد"، وهو مسار مشابه لما حدث في المجر وتركيا وفنزويلا.
حتى في أوروبا، التي استلهمت جذورها من الحضارتين اليونانية والرومانية، تبرز تحديات. ففي بريطانيا، يحد التقليد من الخيارات الحزبية. وفي فرنسا، يعيق التعطيل السياسي التقدم. وفي إيطاليا، أدى التشرذم السياسي إلى صعود اليمين المتطرف. كما تشهد ألمانيا ودول أوروبا الشرقية سابقاً صعوداً للفكر الشعبوي المتطرف الذي يضخم المشكلات مثل الهجرة دون تقديم حلول، بهدف الوصول إلى السلطة أو عرقلة الحكم القائم.
لا يلقى اللوم على الولايات المتحدة وحدها، لكنها تقع في الواجهة كقائدة مفترضة للعالم الحر. في المقابل، تبتعد روسيا، التي اعتمدت الديمقراطية شكلياً مع تركيز الحكم في يد السلطة التنفيذية وتقييد الحريات، عن المبادئ الديمقراطية. والصين، كدولة يقودها حزب واحد، تعرّف نفسها بـ"الديمقراطية الشعبية الشاملة" مع التركيز على التشاور بدلاً من التصويت، وتفرض رقابة صارمة على الإعلام والفضاء الإلكتروني، كما دلت أحداث هونغ كونغ. حتى الهند، "أكبر ديمقراطية في العالم"، تعاني من طبقية تلغي المساواة، وهو عنصر أساسي في الديمقراطية.
تتفاقم أزمة الديمقراطية عالمياً بسبب قصر النظر في التفكير، والاستقطاب الحاد، وحصر صنع القرار في يد "النخب" التي تفضل مصالح الأثرياء. ينتج عن ذلك عزوف عن التصويت، ونشر للمعلومات المضللة، وصعود للشعبوية، وتحريف للإعلام عن دوره. كما أن نقص الشفافية والمساءلة، والتغيرات الحكومية المتكررة، واهتزاز منظومة الضوابط والتوازنات، كلها عوامل تؤدي إلى عدم الاستقرار، وانتشار الفوضى والفساد.
يشير كتاب "ما الخلل في الديمقراطية؟" للورين جي جي سامونز إلى أن الديمقراطية نفسها باتت محصنة ضد النقد، داعياً إلى مساءلة التسليم غير النقدي بقيمها، والتساؤل عن مدى تحقيقها للسلام والاستقرار والرفاهية. إن الواقع البائس الذي نعيشه يفرض ضرورة ولادة فكر جديد، ربما من "أثينا" أخرى، لمعالجة الخلل وقيادة البشر نحو مستقبل أفضل.