الإمارات - وكالة أنباء إخباري
لطالما استلهم روّاد التكنولوجيا من فيلم الخيال العلمي «Her» الصادر عام 2013، والذي جسّد رؤية لمستقبل يتفاعل فيه البشر بعمق مع مساعدات افتراضية ذكية وحسّاسة صوتياً. ما كان يعتبر خيالاً جامحاً بالأمس، يقترب اليوم من التحول إلى واقع ملموس، مع تطورات هائلة في مجال الذكاء الاصطناعي الصوتي التي تعد بتحقيق تجربة تفاعلية سلسة ومقنعة، تشبه كثيراً العلاقة التي ربطت خواكين فينيكس بشخصية سامانثا الافتراضية.
شهدت المساعدات الصوتية المبكرة مثل «سيري» من آبل و«أليكسا» من أمازون بدايات متواضعة، حيث كانت الأصوات تبدو آلية والتفاعلات غير سلسة، مقيدة بقواعد جامدة يصعب عليها معالجة المعلومات الجديدة أو فهم السياق المعقد. لكن المشهد يتغير الآن جذرياً بفضل نماذج اللغة الكبيرة (LLMs) التي أضفت قوة وسلاسة غير مسبوقة على هذه التقنيات. أمازون، على سبيل المثال، أعلنت في أوائل عام 2025 عن وجود 600 مليون جهاز مزود بتقنية أليكسا حول العالم، واليوم، وبعد دمج قدرات LLMs، أصبحت أليكسا وسيري أكثر فائدة وقدرة على فهم استفسارات المستخدمين والاستجابة لها بطرق أكثر طبيعية، محاكيةً ما نراه في برامج مثل تشات جي بي تي وكلاود.
اقرأ أيضاً
لا يقتصر الابتكار على تحديث الأنظمة الحالية. فعمالقة التكنولوجيا والمبتكرون يدفعون الحدود نحو مستقبل يعتمد على الصوت بشكل أساسي. بوابة إخباري تشير إلى أن سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة OpenAI، يتعاون مع المصمم الأسطوري جوني آيف، الذي اشتهر بتصميم منتجات أبل الأيقونية، على تطوير جهاز جديد قد يكون بلا شاشة ويعتمد بشكل كبير على المفاعل الصوتي. وتلعب الشركات الناشئة دوراً محورياً في هذا التحول؛ فشركة «إيلفنلابز» (ElevenLabs)، التي تقدر قيمتها بـ 6.6 مليار دولار، تتخصص في جعل أصوات الكمبيوتر تبدو واقعية بشكل مذهل. وقد استثمرت الشركة 11 مليون دولار لدفع أشخاص لتحميل مقاطع صوتية قصيرة، تساهم هذه العينات في تدريب أنظمة قادرة على محاكاة مجموعة واسعة من النبرات واللهجات والمشاعر البشرية، مما يقربنا أكثر من الأصوات الشبيهة بالبشر.
المستهلكون مستعدون تماماً لهذه الثورة الصوتية. فارتداء سماعات الرأس أصبح أمراً شائعاً، ويرسل مستخدمو واتساب أكثر من 7 مليارات رسالة صوتية يومياً، مما يبرهن على ميل المستخدمين للتفاعل الصوتي. والسبب بسيط: التحدث أسرع بثلاث مرات تقريباً من الكتابة، وفقاً لدراسة أكاديمية أجريت عام 2016. ومع أنظمة التعرف على الكلام الرائدة مثل «ويسبر» من OpenAI، التي تدعي معدلات خطأ منخفضة تصل إلى 3% فقط، يصبح التفاعل الصوتي ليس فقط مريحاً بل وموثوقاً به تماماً كالكتابة على لوحة مفاتيح الهاتف الذكي.
إن التطبيقات العملية لهذا التطور واسعة النطاق. بدلاً من استخدام متصفحات الويب أو تطبيقات الهواتف لطلب الطعام أو سيارة الأجرة، سيصبح من الشائع التحدث إلى مساعد ذكي يعمل بالذكاء الاصطناعي. على سبيل المثال، تدعم شركة أوبر تكنولوجيز بالفعل الأوامر الصوتية لمستخدمي سيري بلغات متعددة. هذا النهج يوفر راحة وسرعة غير مسبوقتين، كما يقدم حلاً مثالياً لكبار السن أو ضعاف البصر الذين قد لا يجدون الراحة في استخدام الرسائل النصية أو الشاشات اللمسية.
تعكس أرقام الاستثمار التفاؤل الهائل بشأن مستقبل الذكاء الاصطناعي الصوتي. فقد شهد عام 2025 استثمار شركات رأس المال المخاطر 6.6 مليار دولار في الشركات الناشئة المتخصصة في هذا المجال، بزيادة ملحوظة عن 4 مليارات دولار في عام 2023. وتتوقع شركة «نكست موف ستراتيجي» أن تتضاعف إيرادات سوق الذكاء الاصطناعي الصوتي بالكامل لتتجاوز ثلاثة أضعاف بين عامي 2025 و2030، لتصل إلى 34 مليار دولار. «إيلفنلابز» تقف في طليعة هذا السوق، مدعيةً حصة مهيمنة تتراوح بين 70% و80% من سوق الصوت الاصطناعي، وتتوقع تحقيق إيرادات متكررة سنوية بقيمة 300 مليون دولار بحلول نهاية عام 2025، مع هامش ربح تشغيلي مذهل بنسبة 60%.
تتسابق شركات التكنولوجيا العملاقة بالفعل لنقل الذكاء الاصطناعي من الشاشة إلى الأذن. فسماعات «إيربودز» من آبل توفر الآن ترجمة فورية بخمس لغات، بينما تعمل ألفابت على دمج وظائف مشابهة من مساعدها «جيميني» في سماعات «بكسل بدز». ومع ذلك، يكمن التحدي الأكبر في تطوير نماذج ذكاء اصطناعي صوتية أكثر تخصصاً، قادرة على الاستماع والتحليل والاستجابة مباشرةً من خلال الصوت فقط (أنظمة موحدة)، بدلاً من تحويل الكلام إلى نص ثم قراءته. يفتح هذا آفاقاً جديدة، مثل دمج نبرة صوت المستخدم والضوضاء المحيطة في الإجابة، مما يجعل التفاعل أقرب إلى حقيقة رؤية فيلم «Her» وتجربة إنسانية غامرة.