القاهرة - وكالة أنباء إخباري
الذكاء الاصطناعي: السلاح الجديد في ترسانة الجريمة السيبرانية
على مدى أكثر من ثلاثة عقود، تطورت الجريمة السيبرانية عبر موجات متتالية، بدءاً من مجتمعات الاختراق الأولى التي كان دافعها الفضول، وصولاً إلى شبكات إجرامية منظمة تستثمر في البرمجيات الخبيثة وبرامج الفدية والاحتيال. لكن، وفقاً لدميتري فولكوف، الرئيس التنفيذي لشركة «غروب آي بي» (Group-IB) المتخصصة في الأمن السيبراني، فإن الموجة الحالية تمثل تحولاً جذرياً مختلفاً، يتجلى في تصنيع الجريمة السيبرانية من خلال توظيف الذكاء الاصطناعي كسلاح فعال.
وفي حديث خاص لـ«الشرق الأوسط»، أوضح فولكوف أن «ما يبدو مختلفاً جذرياً هذه المرة هو أن الذكاء الاصطناعي أزال عنق الزجاجة البشري». وأضاف: «في الماضي، كانت الجريمة السيبرانية تنمو بالسرعة التي يستطيع بها المجرمون كتابة الشيفرات، أو التلاعب بالضحايا، أو تنسيق الفرق. أما اليوم، فيتولى الذكاء الاصطناعي هذه المهام فوراً، وبشكل متكرر، وعلى نطاق واسع». هذا التحول لا يعني فقط تسريع وتيرة الهجمات، بل يمثل تغييراً هيكلياً في طريقة تصميم الجرائم الرقمية وتسويقها وتنفيذها، محولاً إياها من نشاط يعتمد على مهارات أفراد إلى صناعة قابلة للتوسع.
اقرأ أيضاً
- الرئيس السيسى يشهد احتفال أكاديمية الشرطة بيوم الخريجين لعام ٢٠٢٦،
- القرارات الصادرة عن الاجتماع الاسبوعى للحكومة
- بعد سقوط 6 ضحايا.. صلح تاريخي يُنهي خصومة ثأرية بين أبناء عمومة «الطحاوية» بالمعابدة في أسيوط
- الرئيس السيسى يشهد الندوة التثقيفية الرابعة والأربعين بعنوان "وطن الأبطال"، بمُناسبة الذكرى الثالثة والخمسين لانتصارات أكتوبر المجيدة،
- اكتشاف تمثال ملكي ي رمسيس الثاني بقرية بهبيت بسمنود ،
من الخبرة البشرية إلى الأتمتة الذكية: صناعة الجريمة السيبرانية الجديدة
تقليدياً، اعتمدت الجريمة السيبرانية على خبرات بشرية متخصصة. فقد كان تطوير برمجيات خبيثة، أو صياغة رسائل تصيد مقنعة، أو تنفيذ هجمات الهندسة الاجتماعية يتطلب وقتاً طويلاً وخبرة واسعة وتنسيقاً دقيقاً، مما كان يحدّ من سرعة انتشار هذه العمليات وحجمها. لكن فولكوف يشرح كيف ألغى الذكاء الاصطناعي هذه القيود، موضحاً أن «حتى المجرمين الأقل خبرة باتوا قادرين على تنفيذ هجمات كانت تتطلب سابقاً مستوى عالياً من التخصص».
لقد أصبحت المهام التي كانت تُنجز يدوياً، كالتقمص والإقناع والبرمجة والاستهداف، مؤتمتة أو متاحة عبر أدوات مدعومة بالذكاء الاصطناعي تعمل بشكل مستمر. وتظهر هذه الطفرة بوضوح في منتديات الإنترنت المظلم، حيث رصدت شركة «Group-IB» ارتفاعاً كبيراً في النقاشات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. يشير فولكوف إلى أن عدد المنشورات الأولية التي تتضمن كلمات مفتاحية مرتبطة بالذكاء الاصطناعي ارتفع بنسبة 371% بين عامي 2019 و2025، مما يعني أن الذكاء الاصطناعي انتقل من مرحلة الفضول إلى كونه أداة إجرامية سائدة. ويؤكد أن «المجرمين لا يجرّبون... بل يتبنون بسرعة كل ما ينجح».
الذكاء الاصطناعي كبنية تحتية للجريمة: الهوية والمال تحت التهديد
تكمن الخطورة ليس فقط في استخدام الذكاء الاصطناعي، بل في تحوله إلى بنية تحتية أساسية للجريمة. وفي مجالات مثل الاحتيال والهندسة الاجتماعية، أصبح الذكاء الاصطناعي هو الأساس، ولم يعد مجرد خيار. يؤكد فولكوف أن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءاً محورياً في توليد المحتوى، والاستهداف، وانتحال الهوية، والأتمتة، وأن الأدوات المعتمدة عليه تُباع عبر نماذج اشتراك منخفضة التكلفة، مما يزيل حواجز المهارة والمال. تتشابه الأسواق الإجرامية اليوم مع شركات البرمجيات السحابية المشروعة، حيث يفكر الفاعلون في الاحتفاظ بالعملاء، وسهولة الاستخدام، وقابلية التوسع.
عندما تُعامل الجريمة كمنتج، تصبح أكثر مرونة واستدامة وأصعب في التعطيل. كما أن الذكاء الاصطناعي خفّض عتبة المهارة المطلوبة لتنفيذ هجمات متقدمة، محولاً مهارات بشرية مثل الإقناع والتقليد والبرمجة إلى خدمات متاحة عند الطلب. وعلى عكس الاعتقاد بأن الأتمتة تقلل الجودة، فإن الذكاء الاصطناعي قد زاد من الحجم والتعقيد معاً، وحسّن واقعية الانتحال وزاد من التخصيص الثقافي واللغوي.
ويحذر فولكوف من أن أحد أخطر التحولات يتمثل في الهجمات القائمة على الهوية، حيث أصبحت «الهوية قابلة للبرمجة»؛ إذ يمكن تصنيع وبيع الصوت والوجه والوثائق. وعندما تصبح الهوية سلعة، يتحول الاحتيال من استغلال الأنظمة إلى استغلال الثقة. ويمثل هذا بوابة إلى البنية المالية، عبر تجاوز إجراءات «اعرف عميلك» (KYC)، مما يسمح بفتح حسابات مصرفية وتحويل الأموال المسروقة. وقد وثّقت «Group-IB» 8065 محاولة تجاوز لأنظمة KYC باستخدام تقنيات التزييف العميق خلال ثمانية أشهر من عام 2025، مما أدى إلى اكتشاف 5702 حساب احتيالي.
الدفاعات الحديثة والتحديات التنظيمية
يؤكد فولكوف أن «رؤية شخص أو سماعه لم تعد دليلاً على هويته»، وأن العديد من أنظمة التحقق الحالية، المصممة في عالم ما قبل التزييف العميق، تعتمد على التحقق البصري أو الصوتي. لكن الجمع بين تحليل السلوك وذكاء الأجهزة وتقييم المخاطر يوفر دفاعاً أكثر فاعلية. كما أن الهجمات المدعومة بالذكاء الاصطناعي تترك آثاراً جنائية أقل، مما يجعل التحقيق الرقمي والاستجابة للحوادث أكثر أهمية.
على الصعيد التنظيمي، لا تزال التشريعات متأخرة عن وتيرة التهديدات. يشير فولكوف إلى أن «التنظيم يتحرك لكنه غير متسق، والمجرمون يستغلون الفجوات عبر الحدود». وفي الشرق الأوسط، لا يوجد قانون موحد قائم على تقييم المخاطر مشابه لقانون الاتحاد الأوروبي للذكاء الاصطناعي، خاصة فيما يتعلق بالاستخدامات عالية المخاطر مثل انتحال الهوية والاحتيال.
ويختتم فولكوف حديثه بدعوة إلى «التوقف عن النظر إلى الجرائم المدفوعة بالذكاء الاصطناعي كحوادث منفصلة، وإدراك أنها نظام مترابط». وشدد على أن وضع الذكاء الاصطناعي في قلب استراتيجيات الأمن، وتعزيز التعاون الدولي، وتبني دفاعات قائمة على الاستخبارات، بات ضرورة ملحة لمواجهة هذا التهديد المتنامي.