السبت، ١٠ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ / 22 أغسطس 2026 م 09:06 م بتوقيت القاهرة
إعدادات الصفحة
الوضع الداكن
الصلاة القادمة --:--:--
--° القاهرة

المتاحف تدمج "رائحة الحياة الآخرة" في معارض مصر القديمة

إعادة بناء العطور القديمة تقدم تجربة حسية غامرة لفهم التحنيط
استمع للخبر الأخبار عبد الفتاح يوسف 2026-02-06 22:36 14
المتاحف تدمج "رائحة الحياة الآخرة" في معارض مصر القديمة

مصر - وكالة أنباء إخباري

المتاحف تدمج "رائحة الحياة الآخرة" في معارض مصر القديمة

تُعد الروائح أداة قوية للتجربة الإنسانية، حيث تمتلك القدرة على استحضار الذكريات وإثارة المشاعر بعمق لا تستطيع النصوص وحدها تحقيقه. وفي خطوة مبتكرة، تسعى المتاحف المصرية إلى تسخير هذه القوة من خلال دمج "رائحة الحياة الآخرة" في معارضها المخصصة لمصر القديمة. تهدف هذه المبادرة إلى تحويل تجربة الزوار، وتقديم بُعد حسي وعاطفي جديد لفهم طقوس التحنيط المعقدة التي مارستها الحضارة المصرية القديمة.

جاءت هذه الخطوة عقب اكتشاف علمي بارز في عام 2023، حيث تمكن العلماء من تحديد المركبات الكيميائية الموجودة في المواد العطرية المستخدمة في تحنيط أعضاء مومياء لسيدة نبيلة مصرية قديمة. كشفت التحليلات عن أن وصفات هذه المواد كانت معقدة بشكل غير عادي، واستخدمت مكونات لم تكن أصلية للمنطقة. بالتعاون مع خبير عطور، نجح فريق البحث، بقيادة الدكتورة باربرا هوبر من معهد ماكس بلانك للجيوأنثروبولوجيا وجامعة توبنغن، في إعادة تكوين ما وصفته هوبر بـ "رائحة الخلود".

تُعرف عملية التحنيط في مصر القديمة بأنها بدأت منذ عصور ما قبل الأسرات، ربما نتيجة لملاحظة المصريين القدماء أن حرارة الصحراء القاسية تساهم في تجفيف وحفظ الأجساد المدفونة في الرمال. مع مرور الوقت، تغلغل مفهوم حفظ الجسد بعد الموت في المعتقدات الدينية المصرية، خاصة مع تطور ممارسات الدفن في مقابر صخرية بعيدًا عن الرمال المجففة. في هذه المقابر، بدأ استخدام مواد كيميائية مثل ملح النطرون والراتنجات النباتية لعملية التحنيط.

كانت إجراءات التحنيط تتضمن عادةً وضع الجسد على طاولة، ثم إزالة الأعضاء الداخلية باستثناء القلب. وفقًا للمؤرخ اليوناني هيرودوت، كان يتم "سحب جزء من الدماغ أولاً عبر الأنف بخطاف حديدي، وحقن مواد معينة في الباقي" لتسييل بقايا الدماغ. بعد ذلك، كان يتم غسل تجويف الجسم بالبهارات وشراب النخيل، ثم يُخاط الجسد مرة أخرى، وتُترك بداخله نباتات وبهارات عطرية، بما في ذلك أكياس من ملح النطرون. كان الجسد يُترك ليجف لمدة 40 يومًا. بعد ذلك، تُحفظ الأعضاء المجففة في أوانٍ كانوبية، أو تُعاد أحيانًا إلى تجويف الجسم. ثم يُلف الجسد بعدة طبقات من الكتان، مع وضع تمائم داخل هذه الطبقات للحماية من الشر. أخيرًا، يُغطى المومياء المغلفة بالكامل بالراتنج لمنع دخول الرطوبة، وتوضع في تابوت، والذي يُغلق أيضًا بالراتنج.

تعتمد معرفتنا بتقنيات التحنيط المصرية القديمة بشكل كبير على عدد قليل من النصوص القديمة، مثل "طقوس التحنيط"، بالإضافة إلى كتابات هيرودوت في "التواريخ" الذي يشير إلى استخدام ملح النطرون لتجفيف الجسد. ومع ذلك، تظل التفاصيل المتعلقة بالبهارات والزيوت والراتنجات والمكونات الأخرى المستخدمة قليلة جدًا. وهنا يأتي دور العلم، وخاصة مع التطور المتزايد في أساليب التحليل البيولوجي الجزيئي، مثل تقنيات الاستشراب الغازي المختلفة، لسد هذه الفجوات.

على سبيل المثال، حللت دراسة أجريت عام 2018 البقايا العضوية من لفائف المومياوات باستخدام تقنية الاستشراب الغازي-مطياف الكتلة. ووجدت أن اللفائف كانت مشبعة بمزيج من زيت نباتي، ومستخلص نباتي عطري، وصمغ أو سكر، وراتنج مخروطي مُسخّن. وفي ورقة بحثية جديدة نُشرت في مجلة "Journal of Archaeological Science"، قام الباحثون بتحليل التركيب الكيميائي للمركبات العضوية المتطايرة (VOCs) التي تحمل الرائحة، والمرتبطة بمجموعة واسعة من المواد العطرية وأنسجة المومياوات. كان الهدف هو تحديد الروائح المرتبطة بعوامل التحنيط العضوية وتلك التي قد تكون ناتجة عن عملية التحلل.

سبق للدكتورة هوبر أن عملت على إعادة بناء بقايا على مواقد بخور قديمة تم التنقيب عنها في تيماء، وهي مستوطنة واحة مسورة في ما يُعرف الآن بالمملكة العربية السعودية، وكانت جزءًا من شبكة تجارية تُعرف بـ "طريق البخور" لنقل اللبان والمر. ثم وجهت هوبر اهتمامها إلى التحنيط المصري. وبينما ركزت معظم الدراسات السابقة المشابهة على العينات المستقاة من الأربطة وأنسجة المومياوات الفعلية، ركزت هي على المواد العطرية المستخدمة في تحنيط الأعضاء المصاحبة والمخزنة في الأواني الكانوبية.

كشفت تحليلات فريقها للعينة من البقايا عن وجود شمع العسل، والزيوت النباتية، والدهون الحيوانية، والبيتومين (أسفلت طبيعي)، وراتنجات من الأشجار المخروطية مثل الصنوبر واللاركس. بالإضافة إلى ذلك، تم اكتشاف مركبات مثل الكومارين ذي الرائحة الفانيليا (الموجود في القرفة والبقوليات)، وحمض البنزويك (الشائع في الراتنجات العطرية والصمغ المشتق من الأشجار والشجيرات). هذه المكونات مجتمعة تشكل أساس "رائحة الخلود" التي تسعى المتاحف الآن إلى إحيائها.

إن دمج هذه الروائح المعاد تكوينها في المعارض يمثل تحولًا في طريقة تقديم التاريخ. فبدلاً من الاعتماد فقط على النصوص والصور والقطع الأثرية، يمكن للزوار الآن تجربة لمسية وشمية غامرة. يمكن للرائحة أن تنقلهم عبر الزمن، وتساعدهم على فهم الجوانب الروحية والطقوسية للحياة والموت في مصر القديمة بشكل أعمق. إنها دعوة للتفاعل مع الماضي على مستوى شخصي وحسي، مما يجعل تجربة التعلم أكثر تأثيرًا وديمومة. هذا النهج يعكس فهمًا متزايدًا بأن التاريخ ليس مجرد سرد للأحداث، بل هو تجربة متعددة الأوجه تتضمن جميع الحواس.

# مصر القديمة # تحنيط # مومياوات # روائح # عطور # حياة الآخرة # معارض متاحف # علم الآثار # كيمياء # هوبر
اقرأ هذا الخبر