السبت، ١٧ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ / 29 أغسطس 2026 م 03:38 ص بتوقيت القاهرة
إعدادات الصفحة
الوضع الداكن
الصلاة القادمة --:--:--
--° القاهرة

المنشآت الصغيرة والمتوسطة في السعودية تحقق طفرة تمويلية غير مسبوقة بـ 467.7 مليار ريال بدعم «رؤية 2030»

استمع للخبر رياضة عبد الفتاح يوسف 2026-04-06 18:31 12
المنشآت الصغيرة والمتوسطة في السعودية تحقق طفرة تمويلية غير مسبوقة بـ 467.7 مليار ريال بدعم «رؤية 2030»

القاهرة - وكالة أنباء إخباري

في مؤشر واضح على التحول الهيكلي العميق الذي يشهده الاقتصاد السعودي، وتجسيداً للمضي قدماً نحو تحقيق مستهدفات «رؤية 2030» الرامية إلى تنويع القاعدة الإنتاجية وتعزيز مصادر الدخل غير النفطية، سجلت التسهيلات الائتمانية المقدمة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر في المملكة مستوىً قياسياً غير مسبوق بنهاية عام 2025. فقد أظهرت البيانات ضخ المصارف وشركات التمويل نحو 467.7 مليار ريال (ما يعادل 124.5 مليار دولار أميركي) في شرايين هذا القطاع الحيوي خلال العام الماضي، محققةً بذلك قفزة سنوية لافتة بلغت 33 في المائة. هذا النمو الصاروخي يؤكد بوضوح انتقال هذه المنشآت من هامش النشاط الاقتصادي إلى قلبه النابض، باعتبارها المحرك الأبرز للنمو غير النفطي وصمام الأمان لخلق فرص وظيفية واعدة.

وعلى أساس سنوي، شهد حجم هذه التسهيلات ارتفاعاً ملحوظاً بنسبة 33 في المائة مقارنة بنحو 351.7 مليار ريال (93.6 مليار دولار) المسجلة في عام 2024، وفقاً لما كشفت عنه النشرة الشهرية الصادرة عن البنك المركزي السعودي «ساما». ويستحوذ القطاع المصرفي على الحصة الأكبر من هذا التمويل المتنامي، حيث بلغت التسهيلات المقدمة عبر البنوك نحو 446.6 مليار ريال، مسجِّلة نمواً سنوياً بنسبة 34 في المائة. في المقابل، أسهم قطاع شركات التمويل بحوالي 21.1 مليار ريال، محققاً زيادة سنوية قدرها 15.4 في المائة، مما يؤكد تزايد الثقة والتوسع في آليات التمويل المتنوعة.

وعلى صعيد تقسيم هذه التسهيلات بحسب أحجام المنشآت، أظهرت البيانات تبايناً في معدلات النمو التي تعكس ديناميكية السوق وتوجهات التمويل. فقد ارتفع حجم التسهيلات الممنوحة للشركات المتوسطة بنسبة 18 في المائة على أساس سنوي ليصل إلى 220.9 مليار ريال. وشهدت الشركات الصغيرة نمواً قوياً بنسبة 34 في المائة لتصل إلى 163.5 مليار ريال. أما المنشآت متناهية الصغر، فقد سجلت قفزة نوعية بلغت 97 في المائة، لتصل حصتها إلى 83.3 مليار ريال، وهو ما يشير إلى توسع لافت في دعم هذه الشريحة الأساسية من الاقتصاد.

محركات النمو والتحول الاستراتيجي

يأتي هذا النمو غير المسبوق مدفوعاً بحزمة من العوامل المتداخلة والاستراتيجيات المتكاملة، أبرزها وضوح التوجه الاستراتيجي ضمن «رؤية 2030» التي وضعت المنشآت الصغيرة والمتوسطة في صلب مستهدفات التنويع الاقتصادي الطموحة. يضاف إلى ذلك، الأدوار التمكينية المتزايدة للجهات المعنية بتطوير القطاع، وفي مقدمتها الهيئة العامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة (منشآت)، التي أسهمت بفاعلية في تعزيز بيئة الأعمال وتسهيل ربط المنشآت بمصادر التمويل المختلفة، وفقاً لما صرح به الخبير الاقتصادي الدكتور حسين العطاس.

وفي تصريح خاص لوكالة أنباء إخباري، أكد الدكتور العطاس أن بلوغ هذا المستوى من التسهيلات «ليس مجرد رقم قياسي، بل هو انعكاس لتحول هيكلي جوهري في فلسفة التمويل داخل الاقتصاد السعودي». وأشار العطاس إلى وجود أربعة محركات رئيسية تقف وراء هذا النمو المتسارع؛ تتمثل في وضوح الرؤية الاقتصادية الشاملة، والتحسين المستمر للبيئة التنظيمية، والتوسع الكبير في برامج الضمانات الائتمانية، إلى جانب التحول الإيجابي في نظرة القطاع المصرفي تجاه هذا القطاع الحيوي، والذي بات ينظر إليه كشريك استراتيجي في التنمية.

وفي هذا السياق، يبرز برنامج «كفالة» كأحد العوامل المحورية في هذا التحول، حيث لعب دوراً حاسماً في خفض المخاطر المرتبطة بالإقراض، مما شجع البنوك على زيادة انكشافها الائتماني على قطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة. وقد تزامن هذا الدور مع تحسن ملحوظ في جودة البيانات المالية للمنشآت وتطور ممارسات الحوكمة لديها، ما عزَّز ثقة الجهات التمويلية في قدرة هذا القطاع على النمو والوفاء بالتزاماته.

التحديات وفرص الاستدامة

وعلى الرغم من هذه المؤشرات الإيجابية، فإن استدامة هذا النمو تتطلب نظرة تحليلية للتحديات المحتملة. يؤكد الدكتور العطاس أن ما تشهده السوق «ليس توسعاً ائتمانياً مؤقتاً، بل هو إعادة بناء لدور المنشآت الصغيرة والمتوسطة في الاقتصاد»، متوقعاً استمرار النمو على المدى المتوسط. ومع ذلك، يشير إلى وجود مجموعة من التحديات التي قد تؤثر على وتيرة هذا التوسع، من بينها ضعف الخبرة الإدارية لدى بعض المنشآت، واحتمالية تعثرها في حال سوء إدارة التمويل، إضافة إلى مخاطر تمركز التمويل في قطاعات محددة دون تنويع كافٍ، وتأثيرات ارتفاع أسعار الفائدة مستقبلاً على التكلفة الائتمانية.

ويضيف العطاس أن الجهات المعنية تدرك تماماً هذه التحديات، وهو ما يفسر التركيز المتزايد على رفع مستوى الحوكمة، وتعزيز كفاءة الإدارة، وربط التمويل بالأداء التشغيلي الفعلي، بما يضمن توجيه التسهيلات نحو أنشطة إنتاجية مستدامة ذات قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد الوطني.

انعكاسات على الاقتصاد الكلي وآفاق المستقبل

لا تقتصر أهمية هذا التوسع التمويلي على الأرقام فحسب، بل تمتد انعكاساته الإيجابية لتشمل الاقتصاد الكلي للمملكة. حيث يسهم في رفع مساهمة المنشآت الصغيرة والمتوسطة في الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي، إلى جانب دورها المحوري في خلق فرص العمل الجديدة، باعتبارها من أكثر القطاعات كثافة في التوظيف. وبحسب العطاس، فإن هذا النمو يعزز من تنويع القاعدة الاقتصادية، عبر دعم دخول منشآت جديدة إلى قطاعات واعدة تشمل التكنولوجيا والصناعة والخدمات، فضلاً عن رفع القيمة المضافة المحلية وتقليل الاعتماد على الواردات أو الشركات الكبرى، بما يسهم في تعزيز الاكتفاء الذاتي.

وفي السياق ذاته، يرى محمد الفراج، الرئيس الأول لإدارة الأصول في شركة «أرباح المالية»، في تصريح لوكالة أنباء إخباري، أن هذا التطور لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة تكامل بين التوجهات الحكومية الطموحة، وسعيها الحثيث لرفع مساهمة هذا القطاع في الناتج المحلي إلى 35 في المائة، وبين الاستجابة الفعالة من القطاع المصرفي الذي قاد هذا النمو واستحوذ على الحصة الأكبر من التمويل. وأوضح الفراج أن برامج الضمان والتحفيز، وبنك المنشآت الصغيرة والمتوسطة، لعبت دوراً محورياً في خفض المخاطر الائتمانية وتعزيز شهية الإقراض لدى البنوك. كما أضاف أن التحول الرقمي ودخول شركات التقنية المالية (FinTech) شكّلا بدورهما نقطة تحول مهمة، من خلال تسهيل الوصول إلى التمويل وخفض التكاليف التشغيلية، مما خلق بيئة أكثر مرونة وجاذبية لنمو الأعمال بعيداً عن التعقيدات التقليدية.

وبالنظر إلى المستقبل، يتوقع الدكتور العطاس أن يستمر نمو التسهيلات بوتيرة «صحية» خلال السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة، مدعوماً بعدة عوامل، أبرزها التوسع في الحلول التمويلية الرقمية، واستمرار التكامل والتنسيق الفعال بين القطاعين الحكومي والمصرفي، إضافة إلى تحسن نضج السوق وارتفاع جودة المنشآت. كما يُرجح أن تسهم المشروعات الكبرى والتوسع في الاقتصاد غير النفطي في خلق فرص تمويلية جديدة، تعزز من زخم هذا القطاع، مع انتقال التركيز تدريجياً من حجم التمويل إلى جودة أثره الاقتصادي.

ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، يلفت الفراج النظر إلى تحديات قائمة، مبيّناً أن التوسع السريع في التمويل يتطلب قدراً من الحذر الاستراتيجي، خصوصاً فيما يتعلق بمخاطر الائتمان واحتمالات التعثر في ظل تقلبات أسعار الفائدة واشتداد المنافسة في بعض القطاعات، لا سيما قطاع التجزئة. ويرى الفراج أن المرحلة المقبلة تستدعي التحول من النمو «الكمي» القائم على زيادة حجم التمويل، إلى النمو «النوعي» الذي يركز على جودة الائتمان واستدامة المشروعات وقدرتها على التكيف مع المتغيرات الاقتصادية.

وأشار إلى أن الاتجاه المستقبلي سيشهد تنامياً في دور أدوات التمويل البديلة، مثل رأس المال الجريء، بما يخفف الضغط على الميزانيات البنكية، إلى جانب توجيه التمويل نحو قطاعات استراتيجية تشمل التقنية والسياحة والصناعة، لضمان تحقيق قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد الوطني. وختاماً، أكد الخبراء أن قطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة لم يعد قطاعاً هامشياً، بل بات محركاً رئيسياً للابتكار والنمو في الاقتصاد السعودي، مشددين على أن الحفاظ على هذا الزخم يتطلب مواصلة تطوير البيئة التنظيمية وتعزيز مرونة آليات السداد، بما يضمن استدامة النمو وتماشيه مع مستهدفات التنمية الاقتصادية على المدى الطويل.

# المنشآت الصغيرة والمتوسطة السعودية # تمويل الشركات الصغيرة # رؤية 2030 # الاقتصاد السعودي # برنامج كفالة # منشآت # التمويل الرقمي # التنويع الاقتصادي # فرص العمل
اقرأ هذا الخبر