الولايات المتحدة - وكالة أنباء إخباري
الهندسة البصرية الدقيقة لتصوير كوكب أرضي شبيه: تحديات وابتكارات مرصد العوالم القابلة للسكن
في سعيها الدؤوب لكشف أسرار الحياة خارج كوكب الأرض، تتجه الأنظار بشكل متزايد نحو مرصد العوالم القابلة للسكن (Habitable Worlds Observatory - HWO)، وهو مشروع طموح يهدف إلى تجاوز حدود استكشاف الفضاء. مع انتقال هذا المرصد المتطور من مرحلة التصميم النظري إلى التنفيذ العملي، تواجه فرق العمل المتخصصة تحديات هندسية معقدة لتحديد وتصميم قدراته الفريدة. وفي هذا السياق، تبرز ورقة بحثية حديثة صادرة عن باحثين في مركز جودارد لرحلات الفضاء التابع لوكالة ناسا، لتضيف طبقة أخرى من التحليل العلمي الدقيق، وتحديداً فيما يتعلق بالقدرة على التمييز بين الغازات الحيوية الرئيسية، مما يضع أسساً لتصميم بصري دقيق يضمن نجاح المهمة.
تكمن أهمية هذه الأبحاث في ضرورة تحديد الأطوال الموجية المثلى التي يجب على مهندسي المرصد التركيز عليها. الهدف الأساسي هو تطوير تلسكوب قادر على التمييز الفعال بين ثاني أكسيد الكربون (CO2) والميثان (CH4) وبخار الماء (H2O)، وهي جزيئات تلعب دوراً حاسماً في فهم الغلاف الجوي للكواكب الخارجية وتحديد مدى قابليتها للسكن. إن القدرة على التفريق بين هذه الغازات، وخاصة ثاني أكسيد الكربون والميثان، تعتبر مفتاحاً رئيسياً للكشف عن وجود نشاط بيولوجي محتمل.
اقرأ أيضاً
- الرئيس السيسى يستقبل كوشنر بالعلمين
- إيقاف جمع البلازما في كندا: تحقيق حكومي ووفيات متبرعين يثيران القلق
- محكمة أونتاريو العليا تسمح بإزالة مسارات الدراجات في تورونتو
- تحقيقٌ مع السفير الفرنسي في إفريقيا الوسطى بشأن مزاعم استضافة عشرات النساء
- تفشي إيبولا في الكونغو الديمقراطية يمتد إلى سادس محافظة وسط مخاوف من تجاوز الوباء الأشد فتكاً
يُعد التصوير بالأشعة تحت الحمراء (Infrared imaging) بمثابة "الكأس المقدسة" في مجال رصد الكواكب الخارجية. يعود ذلك إلى أن العديد من "البصمات الحيوية" (biosignatures) الواعدة، وهي مؤشرات كيميائية تدل على وجود حياة، تظهر بوضوح كأطياف مميزة في نطاقات الأشعة تحت الحمراء. ومع ذلك، فإن هذه القدرة تأتي مع مقايضة هندسية كبيرة: فلالتقاط نطاق واسع من هذه الأطوال الموجية، يجب تبريد نظام الاستشعار إلى درجات حرارة شديدة الانخفاض. هذا التبريد ضروري للقضاء على أي "ضوضاء" (noise) قد تنتج عن الحرارة التي يولدها الجهاز نفسه، والتي يمكن أن تحجب الإشارات الضعيفة من الكواكب البعيدة.
يواجه مرصد جيمس ويب الفضائي (JWST)، وهو مرصد آخر شهير متخصص في الأشعة تحت الحمراء، هذه المشكلة من خلال نظام تبريد مبرد (cryogenic cooling system) معقد ومكلف للغاية. وقد كان هذا النظام، إلى جانب عوامل أخرى، سبباً رئيسياً في التأخيرات الكبيرة والتجاوزات المالية التي شهدها مشروع JWST. ولذلك، يسعى مصممو مرصد HWO إلى تجنب هذا المصير، والتخلي عن الحاجة إلى نظام تبريد مبرد معقد ومكلف.
لكن هذا القرار يفتح الباب أمام تحديات أخرى، أبرزها مشكلة "التداخل الطيفي" (spectral overlap). يعتبر كل من الميثان وثاني أكسيد الكربون من أهم البصمات الحيوية المرتقبة، وخاصة عند وجودهما معاً. يكمن الاهتمام بثاني أكسيد الكربون في غيابه النسبي على كوكب أرضي نشط بيولوجياً. فهو وفير في العوالم "الميتة" مثل المريخ والزهرة، ولكنه يوجد بتركيزات أقل بكثير على الأرض بسبب امتصاصه من قبل المحيطات السائلة والغطاء النباتي. وبالتالي، فإن اكتشاف ثلاثة كواكب صخرية في نظام نجمي آخر، وكان أحدها يفتقر بشكل كبير إلى ثاني أكسيد الكربون، سيكون بمثابة إشارة قوية تستدعي المزيد من التحقيق.
من ناحية أخرى، يعتبر الميثان مهماً عندما يكون موجوداً بكثرة. فهو يتحلل بسهولة في الغلاف الجوي بفعل العمليات الكيميائية الضوئية، لذا لا يدوم طويلاً في أجواء الكواكب الخارجية التي لا تمتلك مصدراً مستمراً له. أحد المصادر الشائعة للميثان على الأرض هو الحياة، على الرغم من وجود بعض المصادر غير البيولوجية أيضاً. والأهم من ذلك، يجب أن يكون المصدر ثابتاً؛ فالعديد من المصادر غير البيولوجية قد تنضب بعد ملايين أو مليارات السنين من دورة حياة الكوكب. لذا، فإن وجود الميثان بحد ذاته يعد مؤشراً مقبولاً على وجود نشاط بيولوجي.
ومع ذلك، فإن الجمع بين هذين الغازين (CO2 والميثان) هو ما يوفر "الدليل القاطع" ("smoking gun") - كوكب يحتوي على ثاني أكسيد الكربون وكمية كبيرة من الميثان، ولكن بكمية قليلة من الأكسجين. في هذه الحالة، يزداد احتمال أن يكون هناك كائن حي ينتج هذه الغازات في الغلاف الجوي. لكن، رصد هذين الغازين معاً في نفس الكوكب يمثل مشكلة للعديد من التلسكوبات بسبب تداخل بصماتهما الطيفية. ووفقاً للورقة البحثية، فإن المستويات العالية من الميثان تؤثر سلباً على قابلية اكتشاف ثاني أكسيد الكربون، وبدرجة أكبر مما تفعله حتى المستويات العالية من الماء. فإشارات الميثان "تشبع" (saturate out) المناطق في الطيف التي كان من الممكن أن يظهر فيها ثاني أكسيد الكربون بوضوح.
ولإثبات هذه النقطة، قام الباحثون بمحاكاة البصمات الطيفية لمراحل مختلفة من تطور كوكب الأرض نفسه، وكوكب الزهرة، باستخدام نموذج إحصائي يسمى "التحليل البايزي لتحديد البصمات الحيوية عن بعد للكواكب الشبيهة بالأرض" (Bayesian Analysis for Remote Biosignature Identification of exoEarths - BARBIE). هذه الورقة البحثية تحمل عنوان "BARBIE IV"، حيث سبقتها ثلاث أوراق تحليلية تناولت مقايضات مختلفة في الحساسية الطيفية لمرصد HWO.
ربما كان الاستنتاج الأكثر أهمية لهذا التحليل هو تحديد "الحد الأعلى" (upper limit) للكشف بالنسبة للمستشعر بالأشعة تحت الحمراء في HWO، والذي لا يتطلب نظام تبريد ضخم، ولكنه يسمح بتمييز معقول بين ثاني أكسيد الكربون والميثان دون الحاجة إلى أوقات مراقبة طويلة للغاية. يقع "النطاق الأمثل" (sweet spot) لهذا العرض النطاقي عند 1.52 ميكرومتر (µm)، ومع نافذة عرض نطاقي بنسبة 20%، فإن الحد الأعلى للتلسكوب نفسه سيقتصر على 1.68 ميكرومتر (µm).
تتطلب جميع المشاريع الكبرى تحديد متطلباتها بشكل واضح قبل البدء الفعلي، ويمثل هذا الحد الأعلى خطوة رئيسية نحو تحقيق ذلك لمرصد HWO. إن إلغاء الحاجة إلى نظام التبريد المبرد سيجعل هندسة النظام أقل تعقيداً بكثير، مما يسمح بتحويل التركيز التقني إلى البصريات وأجهزة التصوير التاجي (coronagraph) اللازمة لضمان قدرة هذه الأعجوبة الهندسية على الرؤية بوضوح. وعند إطلاق المرصد، المتوقع في ثلاثينيات القرن الحالي، إذا تمكن من التقاط صورة لكوكب خارجي يحتمل أن يكون صالحاً للسكن، فسيكون ذلك بفضل هذه الأوراق البحثية التأسيسية التي تحدد قدرات النظام المستقبلية.
أخبار ذات صلة
- الليثي يتألق في دور جديد ويبرز معاناة مجتمع الصم والبكم
- أيمن الجميل يبدع في عالم الأفلام القصيرة وينتظر فرصته الكبيرة
- الدكتورة رضا سنوسى مع الفنانة الكبيرة سميرة عبد العزيز
- مي كساب تكشف سبب تأجيل « نون النسوة » ومشاركتها في « المداح 5 »
- إيمان ناجي تتحدث عن شخصيتها في مسلسل «كتالوج» بمشاركة ريهام عبد الغفور ومحمد فراج