المجر - وكالة أنباء إخباري
انتخابات المجر المحورية: أوربان وماغيار يقدمان رؤى متنافسة وسط تجمعات اليوم الوطني
تجد المجر نفسها عند مفترق طرق حاسم، حيث تستعد المؤسسة السياسية لما يصفه العديد من المراقبين بأنه التحدي الأهم لحكم رئيس الوزراء فيكتور أوربان الطويل لأكثر من عقد. في يوم وطني رمزي، أصبحت بودابست مسرحًا لتجمعين سياسيين ضخمين، ولكنهما متباينان أيديولوجيًا، حيث سعى الزعيم الحالي ومنافسه الصاعد، بيتر ماغيار، إلى حشد الدعم والتعبير عن رؤاهما المختلفة جذريًا لمستقبل الأمة. تؤكد هذه الأحداث المتوازية، التي أقيمت يوم الأحد 15 مارس، قبل الانتخابات المتنازع عليها بشدة والمقررة في 12 أبريل، على وجود شعب منقسم بشدة وأمة تتصارع مع هويتها وسط تيارات جيوسياسية معقدة.
استغل فيكتور أوربان، رئيس الوزراء اليميني المؤيد لروسيا البالغ من العمر 62 عامًا وزعيم حزب فيديس القومي، منصته لتقديم صورة للمجر كجزيرة استقرار ثابتة في عالم مضطرب. مخاطبًا عشرات الآلاف من مؤيديه الذين تجمعوا في "مسيرة سلام" عبرت نهر الدانوب بشكل مهيب في طريقها إلى البرلمان المجري، كانت خطابة أوربان تحديًا وانعزالية في آن واحد. فقد انتقد أوكرانيا بشدة، وحثها على وقف "مهاجمة" أوروبا الوسطى، وهو تصريح جاء وسط تصاعد التوترات بين بودابست وكييف، والتي تشمل قيام أوكرانيا بحجب شحنات النفط الروسي عن المجر واحتجاز السلطات المجرية لشحنة نقدية أوكرانية. وقد رفعت لافتات داخل تجمعه بفخر شعار "لن نكون مستعمرة أوكرانية!"، مما يجسد شعورًا قويًا مناهضًا لأوكرانيا يلقى صدى لدى شريحة من قاعدته.
اقرأ أيضاً
أوربان، السياسي المخضرم الذي حكم المجر لمدة 16 عامًا، وصف الانتخابات المقبلة بأنها "مفترق طرق" للأمة، محصورة بين نفوذ روسيا والاتحاد الأوروبي. على الرغم من عضوية المجر في الاتحاد الأوروبي، فقد تعهد بشكل لا لبس فيه بالحفاظ على موقف ودي تجاه الكرملين، وهو موقف غالبًا ما يضعه في خلاف مع بروكسل. تميز خطابه بمزيج مميز من الجرأة الشعبوية والشكوكية الأوروبية، حيث صرح بشكل خاص: "سنكون هنا حتى لو سقط مئات المظليين من بروكسل من السماء. سنجمعهم، وننفض الغبار عن سراويلهم ونعيدهم، بعضهم إلى بروكسل وبعضهم إلى كييف." هذا التأكيد لم يسخر فقط من العاصمة الفعلية للاتحاد الأوروبي، بل رسخ أيضًا روايته عن الدفاع عن السيادة المجرية ضد التدخل الخارجي المتصور.
في مكان آخر من المدينة، تكشفت رواية مختلفة تمامًا عندما خاطب بيتر ماغيار، السياسي المعارض البالغ من العمر 44 عامًا والذي كان في السابق من داخل الحكومة، حشدًا هائلاً بنفس القدر يضم ما لا يقل عن 100 ألف مؤيد في ساحة الأبطال الشهيرة في بودابست. برز ماغيار، الذي يقود حزب تيسا الوسطي الناشئ، كأول منافس جاد لأوربان منذ سنوات، حيث اكتسبت حركته زخمًا كبيرًا في استطلاعات الرأي منذ العام الماضي، غالبًا على حساب حزب فيديس. وقد جسد مؤيدوه، الذين هتف العديد منهم "الروس اذهبوا إلى دياركم"، رغبة واضحة في توجه المجر نحو الغرب.
كان خطاب ماغيار بمثابة رفض مباشر لسياسات أوربان وأسلوب قيادته. فقد اتهم رئيس الوزراء بـ "دعوة عملاء روس" لـ "التدخل في الانتخابات"، وهو اتهام خطير يشير إلى قلق أعمق بشأن النزاهة الديمقراطية. معلنًا بشكل قاطع مكانة المجر ضمن التحالف الغربي، أكد ماغيار: "وطننا جزء من الغرب، وطننا جزء من المجتمع الأوروبي، بلدنا جزء من الناتو. وليس بسبب المعاهدات أو المواثيق، بل لأنه مكتوب في قدرنا." أكد هذا التصريح على الفجوة الأيديولوجية العميقة بين العملاقين السياسيين، حيث يدعو ماغيار إلى مواءمة أقوى مع القيم والمؤسسات الديمقراطية الغربية.
علاوة على ذلك، انتقد ماغيار أوربان بشدة لما وصفه بالتشبث بالسلطة بأي ثمن وتعمد إثارة الفرقة بين المجريين. قال ماغيار عن أوربان: "التشبث بالسلطة بأي ثمن. هذا كل ما يهمه الآن." وأضاف: "الاستفزاز بالحرب، والتهديد بالحرب، وتأجيج الحرب. هذا هو سلاحه الأخير ضد الشعب المجري." رسمت هذه الخطابة صورة لأوربان كشخصية مثيرة للانقسام ومستعدة لاستغلال الخوف والصراع للحفاظ على سيطرته على السلطة، وهو ما يتناقض بشكل حاد مع دعوة ماغيار للوحدة الوطنية والهوية الأوروبية المتجددة. وبالتالي، فإن الانتخابات المقبلة في 12 أبريل ليست مجرد منافسة بين فردين أو حزبين، بل هي استفتاء على التوجه الاستراتيجي للمجر، وتماسكها الداخلي، ودورها على الساحة الدولية.