إخباري
الخميس ٢٣ يوليو ٢٠٢٦ | الخميس، ٩ صفر ١٤٤٨ هـ
عاجل

بصيص أمل وسط الركام: الوزيرة السورية الوحيدة تتحدى واقع الأزمة برؤية للمستقبل

بصيص أمل وسط الركام: الوزيرة السورية الوحيدة تتحدى واقع الأزمة برؤية للمستقبل
Saudi 365
2026-02-13 19:35
2

القاهرة - وكالة أنباء إخباري

في خضم تعقيدات المشهد السوري الذي مزقته سنوات من الصراع الدامي، تبرز شخصيات قليلة تحمل على عاتقها أعباء مرحلة انتقالية تتسم بتحديات غير مسبوقة. ومن بين هذه الشخصيات، تبرز الوزيرة قبوات، الوزيرة الوحيدة في الحكومة السورية الانتقالية، كصوت استثنائي يواجه واقعًا مريرًا من الدمار والانقسامات المجتمعية. إن مهمتها لا تقتصر على إدارة شؤون وزارة في ظروف صعبة للغاية، بل تتجاوز ذلك لتلامس جوهر إعادة بناء مجتمع مزقته الحرب، وتؤكد أن تعيينها ليس مجرد لفتة شكلية، بل يمثل نقطة تحول نحو رؤية أكثر شمولية لمستقبل سوريا ما بعد سنوات النزاع. تُمثّل قبوات نموذجًا للقيادة النسائية في منطقة تواجه فيها المرأة تحديات مضاعفة، خاصة في سياقات ما بعد الصراع.

تحديات جمة وواقع قاسٍ على الأرض السورية

تتولى الوزيرة قبوات مهامها في سياق بالغ التعقيد، حيث تتشابك آثار الحرب المدمرة مع نقص حاد في الموارد، وضغوط سياسية وأمنية متواصلة. فمن جهة، لا تزال المدن والقرى السورية تحمل ندوب النزاع المسلح، من بنى تحتية مدمرة بالكامل إلى نسيج اجتماعي تمزقته التهجير القسري والتشريد والفقدان المستمر للأحباء. الملايين نزحوا أو هُجّروا، وفقدوا مصادر رزقهم، مما ترك أثرًا عميقًا على الروابط الأسرية والمجتمعية. ومن جهة أخرى، تواجه الحكومة الانتقالية تحديات اقتصادية خانقة، حيث تتضاءل الموارد المتاحة لإعادة الإعمار وتقديم الخدمات الأساسية للمواطنين، كالكهرباء والمياه والصحة والتعليم. هذه الظروف القاسية تضع أي مسؤول في موقف حرج، خاصة وأن الثقة بين مكونات المجتمع لا تزال هشة، وتتطلب جهودًا مضنية لإعادة بنائها وترميمها، في ظل واقع دولي وإقليمي يفرض تعقيدات إضافية على أي جهود للتعافي.

ويُعد التعامل مع الانقسامات المجتمعية أحد أبرز وأخطر التحديات التي تواجهها قبوات. فسنوات الحرب الطويلة خلقت شرخًا عميقًا بين فئات المجتمع السوري المختلفة، سواء على أسس طائفية أو عرقية أو سياسية، ناهيك عن الانقسامات بين مناطق السيطرة المختلفة. هنا، يأتي دورها كقناة للحوار والتواصل مع هذه الفئات المتباينة، بهدف ردم الهوة وتضميد الجراح الاجتماعية والنفسية. إن رؤيتها للتعافي تتجاوز الجانب المادي لتشمل الجانب النفسي والاجتماعي، مؤكدة أن المصالحة الوطنية الحقيقية لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال الاعتراف بالمعاناة المشتركة، وتفعيل آليات العدالة الانتقالية، وبناء جسور الثقة بين جميع الأطراف. هذا يتطلب قدرة فائقة على الاستماع الفعال، والتفاوض الدقيق، وتقديم حلول تتسم بالعدالة والإنصاف للجميع، وهو مسار محفوف بالمخاطر لكنه ضروري للاستقرار المستقبلي.

دور يتجاوز الشكلية: الحوار وتمكين النساء كركائز لمرحلة ما بعد الأسد

على الرغم من الصعاب الجمة، تؤكد الوزيرة قبوات أن تعيينها ليس مجرد تعيين شكلي يهدف إلى إضفاء مظهر التنوع على الحكومة أو استيفاء حصص معينة. بل هو تمثيل حقيقي لإرادة سياسية تسعى لإشراك كافة مكونات المجتمع في عملية صناعة القرار، وفي إعادة رسم ملامح سوريا الجديدة. وتُعد هذه النقطة حاسمة في سياق عربي غالبًا ما تكون فيه المشاركة النسائية في المناصب العليا محدودة أو رمزية، وتتراجع بشكل أكبر في أوقات الأزمات والصراعات. إن تواجدها كوزيرة وحيدة يمنحها منصة فريدة للدفاع عن حقوق المرأة وتعزيز دورها في عملية التعافي وإعادة البناء، لا سيما في مجتمع عانى كثيرًا من تداعيات الحرب على الفئات الأكثر ضعفًا، وفي مقدمتها النساء والأطفال الذين تحملوا العبء الأكبر من النزاع وآثاره.

تؤمن قبوات إيمانًا راسخًا بأن الحوار الوطني الشامل هو السبيل الوحيد لتجاوز الأزمة السورية وبناء مستقبل مستقر. فالحوار الذي يضم كافة الأطياف السياسية والمجتمعية، من المعارضة إلى ممثلي المجتمع المدني والأقليات، هو المفتاح لإيجاد توافقات وطنية تضع مصالح الشعب السوري فوق أي اعتبارات فصائلية أو أيديولوجية. هذا النهج يتطلب شجاعة سياسية ورؤية بعيدة المدى، تتجاوز تكتيكات اللحظة الراهنة لترسم خارطة طريق لمرحلة ما بعد الصراع تضمن انتقالاً سلميًا وعادلاً. ويجب أن يكون هذا الحوار شفافًا ومنفتحًا، لا يستثني أحداً، ويعالج جذور المشكلات التي أدت إلى النزاع، ويضع أسسًا قوية لدولة المواطنة والمساواة التي تحترم حقوق جميع السوريين دون تمييز.

أما تمكين النساء، فيراه جزءًا أساسيًا لا يتجزأ من مسار سوريا في مرحلة ما بعد الأسد. فالنساء السوريات كنّ ولا يزلنّ في الخطوط الأمامية للمقاومة والصمود، وعانين من أهوال الحرب بشتى أشكالها: فقدان المعيل، التهجير، العنف القائم على النوع الاجتماعي، وتدمير شبكات الدعم الاجتماعي. وبالتالي، فإن إشراكهن الفاعل في اتخاذ القرارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ليس مجرد حق من حقوق الإنسان، بل هو ضرورة حتمية لضمان استدامة أي حلول مستقبلية. فتمكين المرأة يعني إعادة تفعيل نصف المجتمع، واستثمار طاقاته وقدراته الهائلة في عملية إعادة الإعمار الشاملة، بدءًا من التعليم والصحة وصولاً إلى المشاركة في قيادة المؤسسات وبناء السلام على المستوى المحلي والوطني. هذه الرؤية تتطلب تغييرات هيكلية وثقافية عميقة تضمن للمرأة السورية دورها المستحق في بناء سوريا الجديدة القائمة على العدالة والمساواة.

إن المهمة التي تضطلع بها الوزيرة قبوات، كوزيرة وحيدة في الحكومة الانتقالية، ليست مجرد مسؤولية إدارية ضخمة، بل هي رمز لتحدي الواقع المرير ورسم ملامح مستقبل أفضل. في ظل النقص الحاد في الموارد والضغوط السياسية والأمنية الهائلة، فإن تأكيدها على أهمية الحوار الشامل وتمكين النساء يُعد بصيص أمل يُظهر أن هناك إرادة حقيقية داخل هذه الحكومة للانتقال بسوريا نحو مرحلة جديدة من التعافي والاستقرار. هذه الرؤية الطموحة تتطلب دعمًا محليًا وإقليميًا ودوليًا لتمكينها من تحقيق أهدافها، ولضمان أن تتحول هذه التصريحات الملهمة إلى واقع ملموس على الأرض، يعيد لسوريا وشعبها كرامتهم واستقرارهم المفقود، ويضع أسسًا متينة لدولة ديمقراطية تضمن حقوق جميع مواطنيها.

الكلمات الدلالية: # وزيرة سورية، حكومة انتقالية، سوريا ما بعد الأسد، تمكين المرأة، إعادة الإعمار، الحوار الوطني، الانقسامات المجتمعية، الأزمة السورية، قبوات