القاهرة - وكالة أنباء إخباري
في مشهد يبرهن على التحولات الجوهرية في استراتيجيات الأندية الأوروبية ومدى قدرتها على تحقيق الاستدامة المالية في سوق انتقالات اللاعبين المتضخم، كشف المرصد الدولي للدراسات الرياضية (CIES Football Observatory) في أحدث تصنيفاته أن نادي بنفيكا البرتغالي يتوج كأكثر الأندية الأوروبية تحقيقًا للفائض المالي الصافي خلال السنوات الخمس الأخيرة. هذا الإنجاز يعكس فلسفة فريدة في إدارة المواهب والصفقات، ويضعه في صدارة مشهد يتسم غالبًا بالإنفاق الباذخ والعجز المتراكم لدى العديد من العمالقة الكروية.
يتباهى النادي العاصمي البرتغالي بكونه صاحب أكبر فائض مالي تراكمي، والذي بلغ 346 مليون يورو (ما يعادل حوالي 374 مليون دولار أمريكي)، ناتج عن صافي عمليات البيع والشراء في آخر 10 فترات انتقال، أي على مدار السنوات الخمس الماضية تحديدًا. هذا الرقم المهول لا يعكس فقط براعة بنفيكا في اكتشاف النجوم الصاعدة، بل يؤكد أيضًا قدرته الفائقة على تنمية هذه المواهب وإعادة بيعها بأسعار قياسية، محولًا بذلك أكاديميته وشبكته الكشفية إلى محرك اقتصادي حيوي يدعم استقراره المالي وتنافسيته الرياضية.
اقرأ أيضاً
بنفيكا وأرسنال: نقيضان في المشهد المالي
التقرير الصادر عن المرصد الدولي للدراسات الرياضية لم يكتفِ بإبراز نجاح بنفيكا، بل قدم صورة واضحة للتناقضات المالية في كرة القدم الأوروبية. ففي الوقت الذي يحتفل فيه النادي البرتغالي بمليارات اليوروهات الفائضة، يقف أرسنال الإنجليزي، المتصدر الحالي للدوري الإنجليزي الممتاز، على الطرف النقيض من المعادلة. أظهرت البيانات أن النادي اللندني سجل أكبر عجز مالي خلال نفس الفترة، بمتوسط بلغ 362 مليون يورو (نحو 391 مليون دولار أمريكي). هذا التباين الشديد يلقي الضوء على اختلاف الاستراتيجيات؛ فبينما يعتمد بنفيكا على نموذج "النادي البائع" الذي يركز على الاستثمار في الشباب وبيعهم لتحقيق الأرباح، يتبنى أرسنال، شأنه شأن العديد من أندية النخبة، نموذج "النادي المشتري" الذي ينفق بسخاء لتعزيز صفوفه بأبرز المواهب الجاهزة، مما يؤدي غالبًا إلى عجز صافٍ في الميزانية.
لم يكن بنفيكا وحيدًا في هذا التوجه، فقد تفوقت أندية أخرى مثل ليل الفرنسي، أياكس أمستردام الهولندي، ريد بول سالزبورغ النمساوي، وموناكو الفرنسي، في تحقيق فائض مالي تجاوز حاجز 200 مليون يورو (نحو 216 مليون دولار أمريكي) خلال السنوات الخمس الأخيرة. هذه الأندية، التي تشترك مع بنفيكا في فلسفة تطوير المواهب وبيعها، أثبتت أن هناك مسارًا بديلاً للنجاح لا يعتمد بالضرورة على الميزانيات الضخمة المدعومة بالاستثمارات الخارجية، بل على الكفاءة الإدارية والبصيرة الفنية في سوق اللاعبين.
عمالقة أوروبا خارج الصورة: مؤشر على التحديات المالية
من اللافت للنظر أن قائمة الأندية العشرة الأوائل الأكثر تحقيقًا للفائض المالي خلت تمامًا من أسماء كبرى بحجم ريال مدريد وبرشلونة وبايرن ميونخ وعمالقة الدوري الإنجليزي الممتاز. هذا الغياب يؤكد أن الأندية التي اعتادت على الهيمنة على البطولات وتستقطب أغلى اللاعبين غالبًا ما تكون صافي إنفاقها أعلى بكثير من إيراداتها من بيع اللاعبين. فاستراتيجية هذه الأندية تتركز على الاحتفاظ بالنجوم الكبار وشراء الأفضل عالميًا، مما يجعلها غالبًا في خانة الأندية المستنزفة للموارد المالية في سوق الانتقالات. في المقابل، شهدت القائمة تواجد ناديين برتغاليين آخرين إلى جانب بنفيكا، مما يشير إلى أن الدوري البرتغالي بأكمله قد تبنى نموذجًا اقتصاديًا ناجحًا يعتمد على التصدير كجزء أساسي من استدامته.
منهجية المرصد الدولي: نظرة شاملة للقيم المالية
شدد المرصد الدولي للدراسات الرياضية على أن القيم المالية المدرجة في تقريره لا تقتصر على رسوم الانتقال الأساسية، بل تشمل أيضًا المكافآت والشروط الإضافية المنصوص عليها في عقود اللاعبين، سواء تم دفعها بالفعل أم لا، بالإضافة إلى نسب البيع المستقبلية (Sell-on clauses). هذه المنهجية الشاملة تضمن أن تكون الأرقام المعروضة تعكس القيمة الحقيقية للصفقات وتأثيرها المالي على الأندية، مما يمنح التقرير مصداقية إضافية ويقدم رؤية أكثر دقة للواقع الاقتصادي لسوق كرة القدم.
تحولات حديثة: موناكو يتقدم وبنفيكا يحافظ على مكانته
على الرغم من هيمنة بنفيكا التاريخية، يشير التقرير إلى تحولات طفيفة في المشهد خلال الفترتين الانتقاليتين الأخيرتين. ففي التصنيف الخاص بالموسم الحالي (مع الإشارة إلى الفترات الانتقالية الأخيرة)، تراجع بنفيكا إلى المركز السادس في قائمة الأندية الأكثر ربحًا من عمليات الانتقال. وتنازل النادي البرتغالي عن القمة في هذه الفئة لصالح نادي موناكو الفرنسي، الذي تصدر القائمة، محققًا أرباحًا تجاوزت حاجز 100 مليون يورو (نحو 108 ملايين دولار أمريكي) كفائض صافٍ من صفقات البيع والشراء في آخر فترتين. هذا التغير يعكس الطبيعة الديناميكية لسوق الانتقالات والتحديات المستمرة التي تواجه الأندية في الحفاظ على هذا المستوى من الفائض المالي عامًا بعد عام.
في الختام، يمثل بنفيكا نموذجًا يُحتذى به في عالم كرة القدم الحديثة، حيث يثبت أن النجاح الرياضي يمكن أن يترافق مع حصافة مالية استثنائية. إن قدرة النادي على تحويل المواهب إلى أصول مالية قيمة، مع الحفاظ على تنافسيته على الصعيدين المحلي والأوروبي، تقدم درسًا مهمًا حول الاستدامة في رياضة تتزايد فيها الضغوط الاقتصادية. وبينما تستمر كبرى الأندية في ضخ المليارات، يظل بنفيكا مثالاً ساطعًا على أن البصيرة الاستثمارية والتخطيط طويل الأمد هما المفتاح للتميز المالي في عالم كرة القدم الاحترافية.
أخبار ذات صلة
- رينارد يحث لاعبي تونس على "الكبرياء" في وداع المونديال أمام هولندا
- حكيمي يكشف سر تأهل المغرب لدور الـ32 بكأس العالم
- تعادل سلبي يحسم الشوط الأول بين جنوب إفريقيا وكوريا الجنوبية في مونديال 2026
- المغرب يتأهل لدور الـ32 بكأس العالم 2026.. وهبي: جاهزون لأي خصم
- المكسيك والتشيك يتعادلان سلبياً في شوط كأس العالم 2026 الأول