القاهرة - وكالة أنباء إخباري
تتفاعل الساحتان التركية والإيرانية مع تحديات داخلية وخارجية متزامنة، ترسم ملامح مرحلة جديدة من التوتر الإقليمي. ففي تركيا، تتصاعد المطالبات بدفع عملية السلام الكردية قدماً، بينما تتسع دائرة التحقيقات والاعتقالات التي تستهدف بلديات المعارضة. وفي الأثناء، تشهد إيران استنفاراً شعبياً ورسمياً غير مسبوق في مواجهة تهديدات أميركية محددة باستهداف منشآتها الحيوية، الأمر الذي ينذر بتصعيد غير محسوب في منطقة الخليج العربي.
تركيا: مساعي سلام كردية وحملة ضد المعارضة
في قلب المشهد السياسي التركي، دعا حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» (DEM)، المؤيد للأكراد، الحكومة إلى تبني خطوات عملية وفورية لتنشيط عملية السلام ونزع أسلحة «حزب العمال الكردستاني»، دون الحاجة لموافقات برلمانية إضافية على لوائح قانونية معلقة. وقد شدد الرئيس المشارك للحزب، تونجر باكيرهان، على ضرورة تنفيذ قرارات «المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان» و«المحكمة الدستورية التركية» المتعلقة بالإفراج عن المعتقلين السياسيين، وفي مقدمتهم الرئيس المشارك السابق لحزب «الشعوب الديمقراطية»، صلاح الدين دميرطاش. وذهب باكيرهان أبعد من ذلك، مقترحاً على الحكومة عزل الأوصياء الذين عينتهم على البلديات بدلاً من رؤسائها المنتخبين، مؤكداً أن «السلام يبدأ عندما يتم التزام القانون فعلاً لا قولاً، وعندها تُبنى الثقة، وتتسنّى الديمقراطية».
اقرأ أيضاً
وانتقد باكيرهان ما وصفه بتباطؤ الحكومة التركية في مسار «تركيا خالية من الإرهاب»، مشيراً إلى أن البرلمان لم يحدد بعد موعداً لمناقشة تقرير «لجنة التضامن الوطني والأخوة والديمقراطية» التي شُكلت لوضع الإطار القانوني لحل «حزب العمال الكردستاني» ونزع أسلحته. التقرير، الذي أُنجز في 18 فبراير (شباط) الماضي، يتضمن اقتراحات بإصلاحات ديمقراطية وإلغاء ممارسة تعيين الأوصياء، لكنه يرهن تنفيذ اللوائح بالتحقق من انتهاء عملية نزع السلاح، استجابة لنداء زعيم «العمال الكردستاني» المسجون عبد الله أوجلان، من خلال آلية للتحقق تتكون من ممثلين للمخابرات ووزارتي الدفاع والداخلية. هذا الشرط، وفق باكيرهان، ليس إلا محاولة لتأخير الحل الاستراتيجي، ويهدد العملية برمتها.
في سياق متصل، تتصاعد حدة التوتر بين الحكومة التركية والمعارضة الرئيسية، ممثلة في حزب «الشعب الجمهوري» (CHP)، على خلفية سلسلة متواصلة من التحقيقات والاعتقالات التي تستهدف بلديات تابعة للحزب. وصف باكيرهان هذه الحملة بأنها «عملية تطهير سياسي عبر القنوات القانونية»، مشيراً إلى أن استطلاعات الرأي لا تُظهر هذه العمليات كمكافحة للفساد. وكشف وزير الداخلية التركي نفسه عن فتح تحقيقات في 1048 بلدية منذ الانتخابات المحلية في 31 مارس (آذار) 2024، منها 472 تابعة لحزب «العدالة والتنمية» الحاكم و217 لحزب «الشعب الجمهوري». لكن التساؤلات تثار حول سبب تركيز إجراءات العزل وتعيين الأوصياء على بلديات المعارضة فقط.
وقد شهدت الأيام الأخيرة اعتقال 20 من العاملين في بلدية أوسكدار بإسطنبول، التابعة لحزب «الشعب الجمهوري»، بينهم نائب رئيس البلدية، في عملية تفتيش إثر مزاعم فساد تتعلق بتراخيص البناء، نفتها البلدية بشدة. كما أُوقف رئيسا بلديتي أوشاك وبورصة في غرب تركيا، وصدر قرار توقيف جديد بحق رئيس بلدية أنطاليا، محيي الدين بوجيك، و12 مسؤولاً آخر بتهم التسبب في خسائر عامة تقدر بنحو 399 مليون ليرة تركية. ويؤكد حزب «الشعب الجمهوري» أن هذه التحقيقات ذات دوافع سياسية، فيما تصر الحكومة على أنها لا تتدخل في عمل القضاء.
إيران: استنفار شعبي ورسمي لحماية البنية التحتية
على الصعيد الإقليمي، تعيش إيران حالة استنفار قصوى إثر تهديدات الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب بضرب البنية التحتية الإيرانية، وتحذيره من أن «حضارة بكاملها ستموت» إذا لم تلتزم طهران بمهلته النهائية لإعادة فتح مضيق هرمز. وتجسد هذا الاستنفار في حملة شعبية واسعة النطاق، تمثلت في تشكيل «سلاسل بشرية» ضخمة لحماية محطات الطاقة الحيوية في البلاد، بما في ذلك محطة بوشهر النووية ومحطات توليد الكهرباء الرئيسية في تبريز ومشهد، وكذلك الجسور الاستراتيجية في الأهواز.
وقد أظهرت وكالة «إرنا» مشاهد لتلك السلاسل البشرية، في حين كشف مسؤولون عن تسجيل أكثر من 14 مليون شخص للمشاركة في هذه الحملة، التي عكست روح التضحية بالنفس تحت وسم «جانفدا». وأبدى كبار المسؤولين الإيرانيين استعدادهم للتضحية بحياتهم من أجل البلاد، حيث صرح رئيس مجلس الشورى الإيراني، محمد باقر قاليباف، والرئيس مسعود بزشكيان، بتسجيل أسمائهما ضمن قائمة المتطوعين للدفاع عن إيران. يأتي ذلك بعد خمسة أسابيع من الحرب الدائرة بين طهران والولايات المتحدة وإسرائيل، والتي أسفرت عن مقتل جميع قيادات الصف الأول للنظام الإيراني، ما يجعل استهداف منشآت الطاقة تصعيداً كبيراً وغير مسبوق.
وفي ظل هذه التهديدات، تبرز الجزر الخاضعة لسيطرة إيران في الخليج العربي ومدخل مضيق هرمز كأهداف محتملة ذات أهمية استراتيجية. وتكتسب جزيرة خرج، التي تعد شريان الصادرات النفطية الإيرانية، أهمية مضاعفة بوصفها نقطة حاسمة ضمن حسابات التصعيد العسكري، فضلاً عن الجزر الأخرى التي تشكل نقاطاً حيوية للملاحة والتموضع الاستراتيجي. ومع اقتراب انتهاء المهلة التي حددها ترمب، تتصاعد المخاوف من دخول المنطقة في مرحلة جديدة من الصراع تتجاوز الضغط العسكري التقليدي إلى محاولة ضرب مفاصل الطاقة والعبور، ما ينذر بعواقب وخيمة على الاستقرار الإقليمي والعالمي.