واشنطن - وكالة أنباء إخباري
في صباح يوم خميس حار من صيف عام 2017، وتحديداً في العشرين من يوليو، وصل الرئيس الأمريكي آنذاك دونالد ترمب إلى مبنى البنتاغون الشاهق في ضاحية أرلينغتون بولاية فيرجينيا. لم يكن هذا الزيارة روتينية، بل كانت محطة مفصلية كشفت عن شرخ عميق بين الرئيس وقادته العسكريين، وهو شرخ ستتردد أصداؤه طوال فترة ولايته. عبر الممرات المحاطة بصور رؤساء هيئة الأركان المشتركة السابقين، دخل ترمب إلى غرفة "التانك" (Tank)، وهي قاعة اجتماعات شديدة السرية والتحصين، مصممة لمناقشة العمليات العسكرية الحساسة واتخاذ القرارات الاستراتيجية المصيرية.
قبل أن يستقر على رأس طاولة بيضاوية من خشب البلوط الذهبي، ألقى ترمب نظرة عابرة نحو الجدار، حيث تستقر إلى جوار العلم الأمريكي لوحة شهيرة تُعرف باسم "صناع السلام". تُصور اللوحة اجتماعاً تاريخياً يعود لعام 1865 بين الرئيس أبراهام لنكولن وثلاثة من قادته العسكريين البارزين في خضم الحرب الأهلية، وهو مشهد يُجسد ذروة التناغم والتعاون بين القيادتين السياسية والعسكرية في الذاكرة الأمريكية. لكن التناغم كان آخر ما سيشهده هذا الاجتماع.
اقرأ أيضاً
- هروب ترامب السري من تركيا يلهب منصات التواصل الاجتماعي بموجة من الميمز والفكاهة
- تكاليف تجديد البيت الأبيض في عهد ترامب قد تتخطى 900 مليون دولار
- مصرع 44 على الأقل في فاجعة غرق عبارة بحيرة كاريبا بزيمبابوي
- ميجور غاريت في 'ذا تيك آوت': تحليل معمق للمشهد السياسي الراهن
- أخبار المساء من CBS: تغطية شاملة لأبرز أحداث 8 نوفمبر
كان في انتظاره في الغرفة وزير دفاعه آنذاك جيمس ماتيس، ووزير خارجيته ريكس تيلرسون، ومدير المجلس الاقتصادي الوطني غاري كوهن. لم يكن الغرض من هذا اللقاء مناقشة تهديدات أمنية عاجلة أو استعراض خطة عسكرية محددة، بل كان الهدف أعمق بكثير: تقديم "درس تأسيسي" للرئيس الجديد حول النظام العالمي الذي بنته الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وصف أحد منظمي اللقاء هذا الجهد بأنه "تدخل تعليمي" يهدف إلى سد فجوات معرفية هائلة لاحظها المسؤولون في الأشهر الستة الأولى من إدارة ترمب، خاصة فيما يتعلق بالتاريخ والتحالفات والجغرافيا السياسية.
"تدخل تعليمي" يواجه رفضاً رئاسياً
كان ماتيس وتيلرسون وكوهن قد أدركوا أن أي محاولة لمواجهة قرارات ترمب المفاجئة وغير المتوقعة تستلزم أولاً بناء لغة مشتركة معه. افتتح ماتيس الاجتماع بعبارة قوية: "النظام العالمي القائم على القواعد، الذي وُلد بعد الحرب، هو أعظم هدية قدمها الجيل الأعظم". تلا ذلك عرض شرائح مزدحمة بالخرائط والرسوم البيانية وعلامات الدولار، مع التركيز على الاستثمارات الأمريكية الخارجية. كانت هذه طريقة مدروسة لجذب اهتمام رئيس تشكلت ثقافته في عالم العقارات والأعمال، بحسب ما يرويه الصحفيان فيليب روكر وكارول ليونيغ في كتابهما "عبقري مستقر للغاية" (A Very Stable Genius)، الذي يوثق السنوات الثلاث الأولى لترمب في البيت الأبيض.
لكن ترمب سرعان ما أبدى استياءه من أجواء "المدرسة" تلك. بدأ في مقاطعة مستشاريه مراراً وتكراراً، ساخراً من الحرب في أفغانستان بوصفها "حرب الخاسرين"، ومتهماً حلفاء شمال الأطلسي (الناتو) بأنهم "متأخرون عن السداد" لمستحقاتهم. كما أبدى نيته في مطالبة كوريا الجنوبية بدفع "رسوم" مقابل القوات الأمريكية المرابطة على أراضيها، في إشارة واضحة إلى رؤيته للعلاقات الدولية كصفقات تجارية بحتة.
صرخة في "التانك": "أنتم جميعا خاسرون"
حين بلغ التوتر ذروته، التفت ترمب إلى كبار جنرالاته الحاضرين في الغرفة، وصرخ فيهم بغضب: "أنتم جميعا خاسرون.. لم تعودوا تعرفون كيف تنتصرون. لن أذهب إلى الحرب معكم. أنتم مجموعة من المغفلين والأطفال". كانت هذه الكلمات الصادمة بمثابة إعلان صريح عن عمق الهوة بين الرئيس ومؤسسته العسكرية، وتعبير عن رؤيته المختلفة تماماً للحرب والسلام ودور أمريكا في العالم.
وبغض النظر عما خلفه هذا الاجتماع من إحباط مكتوم داخل المؤسسة العسكرية، وما عمّقه من تصدع في علاقة ترمب مع تيلرسون وماتيس، فإن ما جرى في تلك الغرفة فتح الباب لسؤال أعمق: ماذا يحدث عندما يصطدم رئيس يفكر بمنطق أفلام هوليوود، حيث تُحسم الحروب بضربة واحدة، بمؤسسة عسكرية صاغت عقيدتها عبر قرن من الحروب المعقدة والتجارب المتراكمة؟ وما الثمن الذي يدفعه العالم حين يتحول هذا التوتر وسوء الفهم من خلاف داخلي إلى سياسة خارجية متهورة؟
مبدأ باول: دروس من فيتنام
لفهم ما تجاهله ترمب في تلك الغرفة السرية، لا بد أولاً من العودة إلى ما بناه سابقوه. لقد تشكلت داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية منظومة من القواعد، بعضها مكتوب وبعضها غير معلن، وهي تحكم قرار الذهاب إلى الحرب وتروض الاندفاع نحوها. من أبرز هذه الصياغات ما عُرف بـ"مبدأ باول"، الذي يُعد خلاصة تجارب تاريخية مريرة، في مقدمتها حرب فيتنام.
يُنسب هذا المبدأ إلى كولن باول، وزير الخارجية الأمريكي الأسبق ورئيس هيئة الأركان المشتركة، الذي خدم في فيتنام خلال ستينيات القرن الماضي. عاد باول من فيتنام حاملاً أسئلة عميقة حول حدود القوة الأمريكية، وكيف يمكن أن تتحول إلى عبء حين تُستخدم دون حساب واضح للأهداف والتكاليف. وكما يلاحظ الباحث كريستوفر بريبل من المجلس الأطلسي، فقد تعلم باول "الثمن المر للغرور الاستراتيجي"، وهو درس حمله معه لاحقاً، قبل أن يحوله إلى مجموعة شروط تحكم قرار استخدام القوة العسكرية، مؤكداً على ضرورة وجود أهداف واضحة ودعم شعبي وقوة كافية لتحقيق النصر السريع والحاسم.
لم تتشكل هذه الشروط بمعزل عن سياق أوسع؛ إذ عمل باول في ثمانينيات القرن الماضي مساعداً عسكرياً لوزير الدفاع كاسبار واينبرغر، الذي كان بدوره قد صاغ مجموعة من الشروط لاستخدام القوة العسكرية بعد حرب فيتنام. هذه المبادئ، التي تؤكد على الحذر والتخطيط الشامل، كانت تمثل جوهر العقيدة العسكرية الأمريكية التي تجاهلها ترمب، مفضلاً نهجاً أكثر اندفاعاً وتسرعاً، وهو ما أثار قلقاً عميقاً داخل البنتاغون وخارجه حول مستقبل السياسة الخارجية الأمريكية.
أخبار ذات صلة
- عمل إضافي بعد الأربعين: خطر على الإدراك ومستقبل مالي قاتم
- رحيل كيم تشانغ سون: خادم كيم جونغ أون المقرب ومستشار المراسم يغادر الحياة
- خلاف على "هارد ديسك" يجر مذيعة إلى قسم الشرطة بالجيزة
- رسائل تهنئة عيد الميلاد المجيد: دليل شامل لتهاني الإخوة الأقباط الكاثوليك
- صدمة في واشنطن: أوكرانيون يتصدرون قائمة مجرمي ما بعد الاتحاد السوفيتي في الولايات المتحدة