دافعت الحكومة التشادية بقوة عن أداء أجهزتها الأمنية في مواجهة انتقادات حادة وجهتها منظمات حقوقية دولية ومحلية، مؤكدة التزامها بالمساءلة القانونية وإحالة القضايا ذات الطابع القضائي إلى العدالة للتحقيق فيها. جاء هذا الدفاع خلال مراجعة التزام تشاد بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية أمام مجلس حقوق الإنسان في جنيف، وسط تزايد المخاوف الدولية من ظاهرة الإفلات من العقاب وتضييق الحريات في البلاد.
اتهامات حقوقية وقلق دولي
عُقدت جلسات المراجعة يومي الخامس والسادس من مارس/آذار، حيث عرضت منظمات بارزة، منها الرابطة التشادية لحقوق الإنسان والمنظمة العالمية لمناهضة التعذيب، تقارير مفصلة أمام اللجنة الأممية. أشارت هذه التقارير إلى سلسلة من الانتهاكات المزعومة، بما في ذلك استخدام القوة المفرطة من قبل الأجهزة الأمنية، والانتشار الواسع لظاهرة الإفلات من العقاب، وقمع الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها البلاد في 20 أكتوبر/تشرين الأول 2022، والتي أطلق عليها النشطاء اسم "الخميس الأسود".
وتشير منظمات حقوقية إلى أن أحداث "الخميس الأسود" قد أسفرت عن نحو 200 حالة إخفاء قسري، و600 اعتقال، من بينهم عشرات القصر، إضافة إلى مزاعم خطيرة بالتعذيب وسوء المعاملة للمعتقلين. وفي حين أقرت الحكومة التشادية بمقتل 73 شخصًا خلال تلك الأحداث، تؤكد المعارضة التشادية ومنظمات المجتمع المدني أن عدد الضحايا الحقيقي تجاوز 218 قتيلًا على الأقل، مما يعكس تباينًا كبيرًا في الروايات الرسمية وغير الرسمية.
اقرأ أيضاً
رد الحكومة التشادية وموقفها
في تصريح لراديو فرنسا الدولي، أكد وزير العدل وحقوق الإنسان التشادي، يوسف توم، أن "وجود أجهزة الاستخبارات أمر طبيعي في كل الدول، لكن المطلوب هو ضمان الرقابة عليها". وأضاف الوزير أن جميع الملفات المتعلقة بالانتهاكات المزعومة تُحال إلى القضاء لإجراء التحقيقات اللازمة، مشددًا على أن الحكومة لا تتهاون في متابعة هذه القضايا.
وجاءت تصريحات الوزير توم في سياق الرد على الانتقادات الموجهة لبلاده، حيث دعا إلى التحلي بالموضوعية والإنصاف في تناول هذه الاتهامات. وقال: "أدعو الجميع، سواء المجتمع المدني أو الصحفيين أو أنفسنا، إلى الالتزام بالإنصاف والبحث عن الحقيقة"، في إشارة إلى ضرورة التحقق الدقيق من المعلومات قبل إصدار الأحكام.
خلال جلسة المراجعة في جنيف، أعاد الوفد التشادي التأكيد على التزام البلاد الثابت بمبادئ حقوق الإنسان، وذلك على الرغم من التحديات الأمنية المعقدة التي تواجهها تشاد. ووصف الوفد أحداث أكتوبر 2022 بأنها "تمرد" مسلح استهدف مؤسسات الدولة الشرعية، مشيرًا إلى أن هذه الأحداث أسفرت عن مقتل 15 من عناصر الأمن التشادي، مما يبرر، من وجهة نظر الحكومة، التدخل الأمني لحفظ النظام العام وحماية مؤسسات الدولة.
التحديات والمساءلة
تُبرز هذه المراجعة الأممية حجم الضغوط الدولية التي تواجهها تشاد بشأن سجلها في مجال حقوق الإنسان، خاصة فيما يتعلق بالتعامل مع المعارضين والاحتجاجات. فبينما تسعى الحكومة التشادية لتصوير الأحداث على أنها ضرورة أمنية لمواجهة تمرد، تصر المنظمات الحقوقية على أن الرد الحكومي تجاوز حدود المعقول وتضمن انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان الأساسية.
ويُعد ضمان المساءلة عن الانتهاكات المزعومة أمرًا بالغ الأهمية لتعزيز سيادة القانون وثقة المواطنين في مؤسسات الدولة. وتُشكل دعوة الوزير توم للتحقيق القضائي خطوة إيجابية، شريطة أن تكون هذه التحقيقات شفافة ومستقلة وتؤدي إلى محاسبة المسؤولين عن أي انتهاكات مثبتة، بغض النظر عن مناصبهم.
تستمر المنظمات الدولية في مراقبة الوضع عن كثب، مع التركيز على ضرورة احترام تشاد لالتزاماتها الدولية في مجال حقوق الإنسان، وضمان حماية الحريات الأساسية للمواطنين، بما في ذلك حرية التعبير والتجمع السلمي، ووضع حد لظاهرة الإفلات من العقاب التي تقوض جهود بناء دولة القانون.