السبت، ٣ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ / 15 أغسطس 2026 م 08:35 م بتوقيت القاهرة
إعدادات الصفحة
الوضع الداكن
الصلاة القادمة --:--:--
--° القاهرة

حروب الشرق الأوسط: كارثة بيئية تتجاوز ساحات القتال وتفتك بالمنطقة

صراعات المنطقة تحوّل سماءها ومياهها إلى بؤر تلوث تهدد صحة ال
استمع للخبر الشرق الأوسط عبد الفتاح يوسف 2026-03-18 15:26 17
حروب الشرق الأوسط: كارثة بيئية تتجاوز ساحات القتال وتفتك بالمنطقة

حروب الشرق الأوسط: كارثة بيئية تتجاوز ساحات القتال

مع تصاعد وتيرة الصراعات والتوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، لا سيما المواجهة المتزايدة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، تتزايد المخاوف من تداعيات كارثية تتجاوز الدمار المادي للمدن والبنى التحتية. فالحروب الحديثة، بأسلحتها وتكتيكاتها المتطورة، تترك بصمات بيئية عميقة وممتدة، تؤثر على الهواء والماء والتربة، مهددة صحة الإنسان والنظم البيئية الحساسة لأجيال قادمة.

يشير تقرير مفصل أعدته شبكة الجزيرة، نقلاً عن أحمد جرار، إلى أن آثار الصراع في المنطقة لم تعد تقتصر على الخسائر البشرية والعسكرية والاقتصادية، بل بدأت تتجلى بوضوح في صورة أزمات بيئية متفاقمة. فمع كل غارة جوية، أو انفجار، أو قصف يستهدف منشآت صناعية أو نفطية، تتسع دائرة التلوث البيئي، لتطلق في الغلاف الجوي أعمدة كثيفة من الدخان والمواد الكيميائية السامة، التي تحمل معها مخاطر صحية وبيئية طويلة الأمد، لا سيما في إيران والدول المجاورة.

تلوث الهواء: أرقام صادمة وتداعيات صحية خطيرة

في سياق رصد هذه التداعيات، كشفت وحدة البيانات في الجزيرة عن تغيرات بيئية مقلقة في جودة الهواء، خاصة بعد القصف الإسرائيلي الذي استهدف مستودعات ومصافي نفط في محافظتي طهران والبرز الإيرانيتين في التاسع من مارس/آذار الجاري. اعتمدت هذه النتائج على تحليل دقيق لبيانات التقطتها الأقمار الصناعية، والتي أظهرت ارتفاعًا حادًا وغير مسبوق في مستويات غاز ثاني أكسيد الكبريت (SO2).

وتكشف البيانات عن ارتفاع تركيز غاز ثاني أكسيد الكبريت بنحو خمسة أضعاف مقارنة بالمستويات التي كانت مسجلة قبل وقوع الهجمات. هذا الغاز، الناتج عن احتراق الوقود الأحفوري، يُعد أحد أبرز الملوثات الهوائية المرتبطة بالعمليات الصناعية والحرائق النفطية. كما أظهرت صور الأقمار الصناعية انتشار ما يشبه "غيمة سوداء" كثيفة فوق مصفاة طهران، امتدت على مساحة تقارب 5 كيلومترات مربعة، بالإضافة إلى سحابة أخرى رُصدت فوق منطقة شهران شمالي العاصمة، غطت مساحة تقارب كيلومترًا مربعًا.

يمثل ارتفاع تركيز ثاني أكسيد الكبريت خطرًا جسيمًا على صحة الإنسان، حيث يؤدي استنشاقه إلى تهيج الجهاز التنفسي وتضيّق الشعب الهوائية، ويزيد من حدة نوبات الربو والتهابات القصبات الهوائية. وتزداد خطورة هذه الانبعاثات على الفئات الأكثر هشاشة، مثل الأطفال وكبار السن ومرضى الجهاز التنفسي، الذين قد يعانون بشكل أكبر من تدهور جودة الهواء في المناطق المتضررة.

الأوزون الأرضي: ملوث آخر يفاقم الأزمة

لم تقتصر التغيرات البيئية على غاز ثاني أكسيد الكبريت فحسب، فقد رصدت وحدة البيانات في الجزيرة أيضًا زيادة بنسبة 15% في مستويات الأوزون الأرضي (O3) في محافظتي طهران والبرز خلال الفترة ذاتها. يتكون الأوزون القريب من سطح الأرض عندما تتفاعل الملوثات المنبعثة من الدخان والاحتراق مع أشعة الشمس، ما يؤدي إلى تشكّل غاز مهيج للرئتين يمكن أن يسبب صعوبات في التنفس ويزيد من نوبات الربو.

مع استمرار العمليات العسكرية، تتسع قائمة التأثيرات البيئية لتشمل مزيجًا معقدًا من الملوثات الكيميائية والغازات السامة التي تنتشر في الهواء، وتنعكس مباشرة على صحة السكان في المناطق القريبة من مواقع القصف. ويحذر مختصون من أن هذه الظواهر قد تتحول إلى مشكلة بيئية متكررة ومزمنة إذا استمرت العمليات العسكرية، خاصة مع تراكم الملوثات في طبقات الجو السفلى وانتقالها لمسافات بعيدة بفعل الرياح.

تلوث المياه والتربة: تهديد طويل الأمد

لا تقتصر الأضرار البيئية على التلوث الجوي، إذ يشير مرصد الصراعات والبيئة في لندن إلى تسجيل أكثر من 300 حادثة ضرر بيئي جسيم في المنطقة منذ اندلاع الحرب أواخر فبراير/شباط الماضي. تتراوح هذه الحوادث بين حرائق واسعة النطاق في منشآت صناعية ونفطية، وتسربات كيميائية خطيرة، إضافة إلى تلوث مصادر المياه والتربة في مناطق متعددة من الشرق الأوسط.

في طهران والبرز تحديدًا، سُجلت حالات هطول أمطار ملوثة بمواد كيميائية ناتجة عن التفاعل بين الانبعاثات الصناعية والملوثات الناتجة عن القصف، ما أدى إلى تسجيل آلاف الإصابات بالتهابات تنفسية وحروق كيميائية بين السكان. هذا التلوث لا يهدد صحة الإنسان فحسب، بل يمتد تأثيره إلى الزراعة والأمن الغذائي، مع تسرب المواد الكيميائية إلى التربة والموارد المائية الجوفية، مسببة تلوثًا طويل الأمد يصعب معالجته سريعًا.

الخليج العربي: نقطة ضعف بيئية حساسة

في البحر، تتزايد المخاوف من تلوث محتمل في مياه الخليج العربي، بعد تعرض نحو 12 ناقلة نفط وسفينة تجارية للقصف خلال العمليات العسكرية الأخيرة. هذا يثير قلقًا بالغًا من تسربات نفطية واسعة النطاق قد تضر بالنظم البيئية البحرية الهشة. يُعد الخليج أحد أكثر المناطق حساسية بيئيًا في العالم، ويمكن لأي تسرب نفطي كبير أن يهدد الحياة البحرية، ويؤثر على مصايد الأسماك والسواحل، فضلاً عن انعكاساته الاقتصادية المدمرة على دول المنطقة التي تعتمد بشكل كبير على الموارد البحرية.

كما تهدد الهجمات التي تطول منشآت البنية التحتية المائية، مثل محطات تحلية المياه، مصادر الشرب لملايين السكان في المنطقة، في ظل اعتماد نحو 100 مليون شخص على هذه المحطات لتوفير المياه العذبة. يؤكد خبراء البيئة أن معالجة آثار التلوث في التربة والمياه الجوفية قد تستغرق سنوات طويلة، وتتطلب تكاليف باهظة قد تصل إلى عشرات مليارات الدولارات لإعادة تأهيل المناطق المتضررة. إن التداعيات البيئية للحروب في الشرق الأوسط هي قنبلة موقوتة تهدد مستقبل المنطقة بأسرها.

# حروب الشرق الأوسط، تلوث بيئي، تداعيات الحروب، بيئة المنطقة، ثاني أكسيد الكبريت، أوزون أرضي، تلوث المياه، مخاطر صحية
اقرأ هذا الخبر