القاهرة - وكالة أنباء إخباري
في خطوة استراتيجية تؤكد الأهمية المتزايدة لقطاع البريد كشريان حيوي للاقتصاد الرقمي والتجارة الإلكترونية، استضافت العاصمة السورية دمشق وفداً رفيع المستوى من مجلس البريد الأردني. تهدف الزيارة إلى تعزيز آفاق التعاون المشترك بين البلدين الشقيقين، مع تركيز محوري على تطوير الخدمات البريدية والمالية واللوجستية، بما يواكب التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم في مجال التجارة الإلكترونية، ويسهم في دمج سوريَا ضمن المنظومة الاقتصادية الرقمية الإقليمية.
تعاون ثنائي لتعزيز الخدمات البريدية والمالية
جمع اللقاء في دمشق المدير العام للمؤسسة السورية للبريد، المهندس عماد الدين حمد، مع الوفد الأردني برئاسة رئيس مجلس إدارة البريد الأردني، السيد سامي كامل الداود. تركزت المباحثات على استكشاف سبل مبتكرة لتطوير وتحسين جودة ونطاق الخدمات البريدية والمالية المقدمة للمواطنين والشركات في كلا البلدين. وشملت المناقشات جوانب متعددة من العمل البريدي، بما في ذلك تحديث التقنيات اللوجستية واعتماد حلول رقمية تسهم في تسريع عمليات الشحن والتوصيل، وتقليل التكاليف التشغيلية.
اقرأ أيضاً
وقد شكل ملف التجارة الإلكترونية نقطة محورية في جدول أعمال الاجتماعات، نظراً لدوره الفاعل والمتنامي في تسهيل حركة البيع والشراء عبر الحدود، وربط الأسواق المحلية بالأسواق الإقليمية والدولية. هذا التركيز يعكس إدراكاً مشتركاً لأهمية تحديث البنية التحتية البريدية لدعم النمو المتوقع في هذا القطاع الحيوي، والذي يعد محركاً أساسياً للتنمية الاقتصادية وخلق فرص العمل.
تطلعات نحو مذكرات تفاهم وشراكات مستقبلية
أكد المهندس عماد الدين حمد على أن هذه الزيارة تشكل محطة مهمة في مسيرة تعزيز التعاون الثنائي بين المؤسستين، مشيراً إلى أن سوريَا تتطلع للاستفادة من الخبرات المتقدمة التي يمتلكها الجانب الأردني في تطوير خدمات البريد. وكشف حمد عن التحضيرات الجارية لتوقيع عدد من مذكرات التفاهم خلال الفترة المقبلة، والتي ستكون بمثابة خريطة طريق لتعاون أوسع. وشدد على أهمية تشكيل لجان عمل مشتركة لمتابعة تنفيذ هذه الاتفاقيات والتنسيق المستمر في مختلف المجالات البريدية، لضمان تحقيق الأهداف المرجوة من هذه الشراكة الاستراتيجية.
من جانبه، أوضح السيد سامي كامل الداود أن التعاون بين البريدين السوري والأردني يندرج في إطار رؤية أوسع لدعم الخدمات المقدمة للمواطنين ورفع مستواها بما يتناسب مع التطورات العالمية. وأشار الداود إلى الجهود المبذولة لتسهيل حركة التبادل البريدي عبر المعابر الحدودية، وهو ما سيسهم بشكل مباشر في ربط الشبكة البريدية السورية بالشبكة الدولية، مما يعزز قدرتها على التعامل مع تدفقات التجارة الإلكترونية وسلاسل الإمداد العابرة للحدود، وبالتالي يدفع عجلة النمو الاقتصادي في المنطقة.
كما أكدت المديرة العامة لشركة البريد الأردني، السيدة هنادي الطيب، في تصريحات لوكالة الأنباء السورية الرسمية، أن الاجتماع ناقش إمكانية تقديم دعم استشاري للبريد السوري، بالإضافة إلى دراسة توقيع مذكرات تفاهم مستقبلية تهدف إلى تحقيق التكامل الشامل بين الجانبين. وشددت السيدة الطيب على الدور المحوري لتعزيز التعاون الإقليمي في مجال التجارة الإلكترونية، لما له من انعكاسات إيجابية مباشرة على دعم الاقتصادات الوطنية وتوفير فرص عمل جديدة للشباب.
بعد اختتام المباحثات الرسمية، أجرى الوفد الأردني جولة تفقدية في أقسام المؤسسة السورية للبريد، اطلع خلالها عن كثب على سير العمل والجهود المبذولة لتطوير الأداء وتحسين الخدمات، الأمر الذي يعزز الفهم المتبادل ويفتح آفاقاً جديدة للتعاون العملي.
مساعٍ سورية لإنعاش قطاع البريد والاتصالات واستثمارات محتملة
تأتي هذه المباحثات الثنائية في سياق جهود سورية أوسع لإعادة تأهيل وتحديث قطاع الاتصالات والخدمات البريدية الذي تضرر بشكل كبير خلال سنوات النزاع. وكانت وكالة بلومبرغ قد أشارت في تقرير سابق لها إلى أن سوريَة تسعى إلى جذب استثمارات تقدر بنحو مليار دولار لإعادة بناء وتطوير بنيتها التحتية الحيوية. هذا المسعى يعكس إدراكاً حكومياً لأهمية هذه القطاعات في عملية التعافي الاقتصادي والتحول نحو نموذج يعتمد على التكنولوجيا الرقمية.
ووفقاً للتقرير ذاته، تعمل الحكومة السورية على تأمين نحو 500 مليون دولار لإحياء المؤسسة السورية للبريد، وهو ما يمثل التزاماً جدياً من الدولة تجاه هذا القطاع. وقد أبدت شركات دولية كبرى اهتمامها بالمشروع، منها "بوسته إيطالياني" (Poste Italiane) وائتلاف يضم "لا بوست" (La Poste) الفرنسية وشركة "سي إم إيه سي جي إم" (CMA CGM)، وذلك بحسب مسؤولين في وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات السورية. هذا الاهتمام الدولي يؤشر إلى جاذبية الفرص الاستثمارية في سوريَا رغم التحديات القائمة.
ولا يقتصر الاهتمام على الشركات الأوروبية، بل يمتد ليشمل الهيئات البريدية الحكومية في المنطقة. فوفقاً للمسؤولين الذين فضلوا عدم الكشف عن هوياتهم، تدرس الهيئات البريدية في المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة الأردنية الهاشمية الاستثمار في القطاع السوري بشكل منفصل، مما يعكس اهتماماً إقليمياً واسعاً بدمشق وبنيتها التحتية الحيوية. ويُذكر أن وفداً من المؤسسة السورية للبريد كان قد أجرى مباحثات مماثلة مع مجلس البريد الأردني في العاصمة عمان خلال شهر تشرين الأول/أكتوبر الماضي، تناولت سبل تطوير التعاون وتبادل الخبرات في مجالات الخدمات البريدية الحديثة، والتحول الرقمي، والتجارة الإلكترونية، مما يؤكد استمرارية هذه الجهود المشتركة.
إن تعزيز التعاون بين البريدين السوري والأردني، إلى جانب الجهود المبذولة لجذب الاستثمارات الدولية والإقليمية، يمثل دعامة أساسية لإنعاش قطاع حيوي وتكامل سوريَا بشكل أعمق في الاقتصادات الرقمية للمنطقة والعالم. ومن شأن هذه الخطوات أن تمهد الطريق نحو مستقبل رقمي أكثر اتصالاً وازدهاراً لسوريَا.