سوريا بين نارين: حياد حذر وتداعيات مستمرة
في خضم التصعيد المتواصل بين إيران وإسرائيل، والذي يمثل الجولة الثانية من نوعها بعد حرب الـ12 يوماً في صيف 2025، يبدو المشهد السوري مختلفاً جذرياً عما كان عليه قبل سقوط نظام بشار الأسد وانسحاب القوات الإيرانية والفصائل التابعة لها من الأراضي السورية. اليوم، تنتهج سوريا سياسة حياد حذر، تحاول النأي بنفسها عن صراع إقليمي يهدد بزعزعة استقرار المنطقة بأسرها، إلا أن تداعيات هذا الصراع لا تزال ترتد يومياً على السوريين.
الحكومة السورية المؤقتة: سياسة النأي بالنفس والإجراءات الحدودية
على المستوى الرسمي، تتبنى الحكومة السورية المؤقتة، برئاسة أحمد الشرع، موقفاً ينأى بسوريا عن الحرب الدائرة بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى. وقد اقتصرت إجراءاتها على تشديد الرقابة الحدودية مع لبنان والعراق، تحسباً لأي امتداد للنزاع قد ينجم عن انخراط أطراف من هذين البلدين في القتال دعماً لإيران، وفقاً لمصادر رسمية. ورغم هذا النأي بالنفس، يرى مراقبون أن موقع سوريا الاستراتيجي يجعلها ركناً أساسياً في المعادلة الشرق أوسطية، مما يحول دون استبعادها كلياً من تداعيات الحرب.
الأجواء السورية: ساحة مفتوحة لتصدي الصواريخ
على الأرض، تعيش سوريا وضعاً استثنائياً. فبعد أن دمرت إسرائيل معظم منظومات الدفاع الجوي السورية في غارات أعقبت سقوط النظام مباشرة، باتت الأجواء السورية مفتوحة تماماً. لم تعد المعركة تدور على أراضيها كما كان يحدث طيلة السنوات الماضية، بل أصبحت تدور في سمائها. حيث يتم رصد تصدٍ إسرائيلي متواصل للصواريخ والمسيرات الإيرانية التي تعبر الأجواء السورية، في غياب أي قدرة سورية على الاعتراض أو الرد. ورغم أن هذا التصدي يحدث في السماء، إلا أن له تداعيات ملموسة على الأرض، حيث تسبب شظايا الصواريخ المتساقطة أضراراً مادية في الممتلكات، وتسجل بعض الإصابات البشرية بين الحين والآخر، وإن لم تسجل حتى الآن أي حالة وفاة جراء ذلك.
اقرأ أيضاً
- إيقاف جمع البلازما في كندا: تحقيق حكومي ووفيات متبرعين يثيران القلق
- محكمة أونتاريو العليا تسمح بإزالة مسارات الدراجات في تورونتو
- تحقيقٌ مع السفير الفرنسي في إفريقيا الوسطى بشأن مزاعم استضافة عشرات النساء
- تفشي إيبولا في الكونغو الديمقراطية يمتد إلى سادس محافظة وسط مخاوف من تجاوز الوباء الأشد فتكاً
- تحرير مبشر أمريكي اختُطف في النيجر بعد تسعة أشهر من الأسر
العبء الاقتصادي: أزمة تتفاقم على كاهل السوريين
إلى جانب المخاوف الأمنية، يجد السوريون أنفسهم تحت وطأة أزمة اقتصادية خانقة تتفاقم بسبب التداعيات العالمية للحرب. فالاضطرابات في إمدادات الطاقة عالمياً، الناجمة عن الصراع الدائر في المنطقة، تنعكس سلباً على السوق السورية التي تعاني أصلاً من انهيار اقتصادي مزمن. ارتفاع أسعار المحروقات والطاقة بشكل عام يضيف عبئاً جديداً على مواطن أنهكته سنوات الحصار والعقوبات. فمعاناة تأمين مادة الغاز والمازوت للتدفئة في الشتاء، والبنزين للتنقل، تتحول إلى كابوس يومي يذكر السوري بأنه، حتى وهو بعيد عن ساحات القتال، يدفع ثمناً باهظاً لصراعات لا ناقة له فيها ولا جمل.
تعدد الرؤى: الشارع السوري بين التشفي والأمل
في هذا المشهد المعقد، تتعدد قراءات السوريين للحرب الدائرة، حيث ينظر كل منهم إلى الأحداث من خلال تجربته الشخصية مع أطراف النزاع. يعبر محمد المصري، أحد سكان العاصمة، عن مرارته قائلاً لـ"يورونيوز": "ما الذي جنيته من هذه الحرب؟ على مدى 14 عاماً، لكل من إسرائيل وإيران يد في خراب وتدمير سوريا، وكلاهما شارك في قتل الشعب السوري وتدمير اقتصاده، واستغلا حاجة السوريين والعقوبات الاقتصادية المفروضة عليهم، واستفادا أكثر مما خسرا. لا أعتقد أن هذه الحرب تهمني".
في المقابل، تحمل يارا سمندر جرحاً مختلفاً يتعلق بالقضية الفلسطينية فتقول لـ"يورونيوز": "أنا لا أنحاز لأي طرف، ولكن إسرائيل على مدى 70 عاماً تهجر وتقتل وتعتقل الشعب الفلسطيني. أنا سعيدة لأنهم يتذوقون الآن الخوف والرعب الذي عاشه أهلنا في غزة من الصواريخ التي تتساقط عليهم".
أما علي صالح فيعبر عن موقف أكثر تعقيداً يمزج بين الرفض المبدئي لإسرائيل والتشفي مما يحصل لإيران: "لا يمكنني أبداً أن أقف مع إسرائيل. لكن في الوقت نفسه، يقال اليوم إن لإسرائيل يداً كبيرة في إسقاط النظام الذي خلصنا من طغيان استمر 50 عاماً. إيران والميليشيات الإيرانية كانوا سبباً في قتل وتهجير الشعب السوري. فليذوقوا ما ذقناه". ويضيف علي: "تقسيم إيران ليس في مصلحة أحد في الشرق الأوسط. المنطقة مصلحتها في تغيير سلوك النظام الإيراني، سواء بإرادة الشعب الإيراني أو عبر إدارة داخلية أو خارجية، وهذا يصب في مصلحة شعوب المنطقة".
في مقابل هذه الآراء، هناك أصوات أخرى ترفض منطق "العدوين" أو "التشفي"، وتنظر للحرب من زاوية دعم لـ"المقاومة". سيدة سورية فضلت عدم الكشف عن هويتها لضرورات أمنية، تعبر عن رأي مغاير تماماً: "أرى أن ما تفعله إيران هو في سبيل تحرير فلسطين، خاصة أن إيران تعتبر دعماً حقيقياً لحماس وحزب الله". وتضيف في حديثها لـ"يورونيوز": "لا أفهم لماذا يشمَت البعض بإيران، يجب أن نفرق بين النظام الإيراني والشعب الإيراني. الشعب الإيراني مثلنا، يدفع الثمن، وهو منفصل عن التصرفات الخاطئة. أنا لا أوافق على كل تصرفات النظام الإيراني، لكن قضية فلسطين خط أحمر".
التحول الجيوسياسي: سوريا من حليف إلى منطقة عازلة
إن التباين في آراء الشارع السوري لا يعكس فقط تجارب شخصية متناقضة، بل يرصد تحولاً جيوسياسياً في بنية الدولة السورية نفسها. فطيلة نصف قرن من حكم حافظ وبشار الأسد، كانت سوريا وإيران شريكين في حلف استراتيجي، حيث شكلت دمشق العمق البري لطهران وموطئ قدم ميليشياتها نحو الجولان والبحر المتوسط. ولكن بعد سقوط النظام، حدث انقلاب في هذه المعادلة. لم تعد سوريا حليفة لإيران بالمعنى التقليدي، ولم تعلن عداءً صريحاً قد يجرها لحرب شاملة، بل انتقلت إلى حالة يمكن وصفها بـ"الحياد الدفاعي" أو "التباعد القسري". هذا التحول لم يكن خياراً أيديولوجياً بقدر ما كان استجابة لضغط الواقع الجديد. يضع هذا التحول سوريا في موقع استراتيجي جديد؛ فهي لم تعد "ورقة ضغط" بيد إيران ضد إسرائيل، بل أصبحت "منطقة عازلة" بحكم الواقع، تحاول الموازنة بين عدم استفزاز إيران وعدم تقديم ذريعة لإسرائيل لاستهداف البنية التحتية السورية، وفقاً لمراقبين.
أخبار ذات صلة
- قياتي عاشور يحصد جائزة الحبتور للحفاظ على اللغة العربية
- مَجَلَّةِ حَوَّاء تكرم أمل نعمان بِمُؤْتَمَرِها السنوي
- رانيا يحيي تستقبل الحاصلين على جائزة الدولة للإبداع الفني
- "خالد السلامي" ينضم لعضوية مجلس إدارة بريستيج الدولية
- ثورة الاتصالات: آيفون 18 برو يطلق العنان لإنترنت الأقمار الصناعية لأول مرة في تاريخ آبل