روما - وكالة أنباء إخباري
تحول الغلاف الأخير لمجلة "لسبريسو" الإيطالية العريقة إلى محور مواجهة دبلوماسية وإعلامية حادة بين المجلة والسفارة الإسرائيلية في روما، وذلك بعد نشره صورة مثيرة للجدل وتعليقاً قوياً حول ممارسات الاحتلال. الغلاف، الذي حمل عنوان "الانتهاك"، أظهر مستوطناً إسرائيلياً غير شرعي يرتدي زياً عسكرياً وهو يصور امرأة فلسطينية في حالة ضيق، مما فجر موجة من الغضب الرسمي الإسرائيلي.
غلاف يوثق "الانتهاك" ويثير غضباً دبلوماسياً
لم يكن غلاف "لسبريسو" مجرد صورة عابرة، بل كان بياناً صحفياً قوياً رافقه نص يختزل مساراً تصعيدياً في المنطقة. جاء في النص: "احتلال الضفة الغربية تم بمساعدة الجنود الذين يتعاونون مع المستوطنين. دمرت غزة. تم التوسع في لبنان. انتهكت الحدود في سوريا. الحرب على إيران. ارتكبت أعمال تطهير عرقي ومجازر. هكذا يشكل اليمين الصهيوني إسرائيل الكبرى". هذا المحتوى الصريح أثار استنكاراً فورياً من الجانب الإسرائيلي، حيث سارع السفير الإسرائيلي في روما، جوناثان بيليد، للتشكيك في صحة الصورة، واصفاً إياها بأنها "تم التلاعب بها"، ومعتبراً أنها تشوه "الواقع المعقد الذي تعيشه إسرائيل وتُعزز الصور النمطية والكراهية".
اقرأ أيضاً
- الرئيس السيسى يستقبل رئيسة البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية
- السعودية تستقطب مليارات الدولارات: استثمارات تقنية ضخمة في LEAP 2026 تعزز الاقتصاد الرقمي
- من LEAP 2026: هيوماين و BeyondAI تبرمان شراكة استراتيجية لتعزيز الذكاء الاصطناعي الصناعي في السعودية
- صناعة الألعاب الإلكترونية تخطف الأضواء في مؤتمر LEAP 2026 بالرياض
- هونر تذهل العالم في LEAP 2026 بكشفها عن هاتفها الروبوتي الثوري "Robot Phone"
كما تساءل الصحفي الإسرائيلي باراك رافيد عبر منصة إكس عن حقيقة الصورة، مشككاً في كونها حقيقية أو مولدة بالذكاء الاصطناعي. يأتي هذا الهجوم الدبلوماسي في سياق ضغوط متزايدة تمارسها السفارات الإسرائيلية في أوروبا على وسائل الإعلام التي تنشر تقارير نقدية حول ممارسات الاحتلال، وهو ما يراه مراقبون محاولة لفرض رواية أحادية للصراع وتغييب معاناة الفلسطينيين عن المشهد الأوروبي.
"لسبريسو" تدافع عن استقلاليتها وتوثيقها للحقائق
في مواجهة هذا الهجوم، تمسك رئيس تحرير المجلة، إيميليو كاريلي، بصلابة بالخط التحريري المستقل للمجلة. وفي مقابلة خاصة مع الجزيرة، دافع كاريلي عن خيار المجلة، مؤكداً أن الغلاف ليس "تلاعباً" كما ادعت تل أبيب، بل هو تجسيد لمهمة الصحافة في كشف الحقائق. وأوضح أن هذا الغلاف يندرج ضمن ما كان دائماً مهمة المجلة، أي تقديم صحافة مستقلة قائمة على الكشف والاستقصاء.
وأشار كاريلي إلى أن الصورة جاءت ضمن تقرير مصور أعده المصور بيترو ماستورزو في الضفة الغربية، ويسلط الضوء على تصاعد انتهاكات المستوطنين ضد السكان الفلسطينيين. وأكد أن هيئة التحرير اختارت هذه الصورة تحديداً لأنها كانت الأكثر توثيقاً وتعبيرًا عن واقع الحال، مشيراً إلى أن المجلة رصدت على مدار الأشهر الماضية حجم الانتهاكات الواسعة في قطاع غزة والضفة المحتلة.
نفي قاطع لاستخدام الذكاء الاصطناعي وتوثيق بالفيديو
رداً على الشكوك التي أثيرت حول صحة الصورة واستخدام التقنيات الرقمية أو الذكاء الاصطناعي، حسم كاريلي الجدل بنفي قاطع. وقال: "البعض اشتبه في أن هذه الصورة صُنعت باستخدام الذكاء الاصطناعي، وهذا غير صحيح". وأضاف: "وثقنا ذلك أيضاً من خلال نشر فيديو على منصاتنا وموقعنا يُظهر الظروف التي التُقطت فيها هذه الصورة، ما يثبت أنها صورة حقيقية". وبالفعل، نشرت "لسبريسو" مقطع فيديو قالت إنه يوثق اللحظة التي استند إليها غلافها المثير للجدل، في رد مباشر على الاتهامات الإسرائيلية بتزييف الصورة.
من جانبها، قدمت محررة الصور في المجلة، تيزيانا فاراوني، تحليلاً بصرياً للصورة، موضحة أن قوة صورة المصور بيترو تكمن في "العنف الكامن في الإيماءة"، وهو العنف الذي يغير ملامح وجه الرجل. وأضافت أن "وجه الرجل ليس هو الشرير، بل العنف الذي يحمله داخله هو ما حوّل تلك الصورة إلى انتهاك". وكشفت فاراوني عن تفاصيل صادمة ظهرت في الفيديو المرافق للصورة، حيث يظهر المستوطن وهو يستخدم صوتاً يصدره عادة الرعاة لقطعانهم من أجل مناداة الفلسطينيين، متسائلة باستنكار: "وماذا يمكن أن تسموا هذا؟ عنصرية أم إقصاء أم عنف أم انتهاك؟".
سياق تصاعد عنف المستوطنين ودور "لسبريسو" التاريخي
يأتي تقرير "لسبريسو" في وقت تشهد فيه الضفة الغربية المحتلة تصاعداً غير مسبوق في هجمات المستوطنين منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023. وتعد مجلة "لسبريسو"، التي تأسست في منتصف الخمسينيات، من أبرز المنابر الصحفية في إيطاليا التي تتبنى نهجاً استقصائياً جريئاً. ولها تاريخ طويل من الصدام مع مراكز القوى السياسية والدبلوماسية دفاعاً عن حرية التعبير وحقوق الإنسان.
بهذا الغلاف، تفتح المجلة مجدداً ملف عنف المستوطنين أمام الرأي العام الأوروبي، متحدية الضغوط التي تسعى لتغطية ملامح الانتهاك المستمر في الأراضي الفلسطينية، وتؤكد على دور الصحافة المستقلة في تسليط الضوء على القضايا الشائكة.