الأربعاء، ٥ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ / 16 سبتمبر 2026 م 10:55 ص بتوقيت القاهرة
إعدادات الصفحة
الوضع الداكن
الصلاة القادمة --:--:--
--° القاهرة

فاليريا لويسيلي: الصوت، الذاكرة، وبدايات جديدة في روايتها "بداية وسط نهاية"

حوار معمق حول دمج الأصوات الميدانية في السرد الروائي وتأثيره
استمع للخبر الأخبار عبد الفتاح يوسف 2026-02-09 02:16 58
فاليريا لويسيلي: الصوت، الذاكرة، وبدايات جديدة في روايتها "بداية وسط نهاية"

الولايات المتحدة - وكالة أنباء إخباري

فاليريا لويسيلي: الصوت، الذاكرة، وبدايات جديدة في روايتها "بداية وسط نهاية"

تستكشف الكاتبة المكسيكية الشهيرة فاليريا لويسيلي، المعروفة بأعمالها التي تتناول قضايا الهوية واللغة والهجرة، آفاقًا جديدة في روايتها المنتظرة "بداية وسط نهاية" (Beginning Middle End)، والتي من المقرر إصدارها في يوليو. لا يقتصر الإبداع في هذا العمل على الكلمات المكتوبة فحسب، بل يمتد ليشمل عالمًا صوتيًا غنيًا، حيث ستتضمن النسخة الصوتية للرواية مقاطع صوتية تم تسجيلها خصيصًا في جزيرة صقلية، وهي الخلفية المكانية للرواية. يثير هذا النهج المبتكر تساؤلات حول العلاقة الديناميكية بين الكتابة والتسجيل الصوتي، وبين القراءة والاستماع.

في مقابلة حديثة، أوضحت لويسيلي أن دمج الأصوات الميدانية والاستماع اليقظ لم يعد مجرد عنصر إضافي في عملها، بل أصبح جزءًا لا يتجزأ من جوهر عمليتها الإبداعية منذ فترة طويلة. ضربت مثالًا بكتابها السابق "قصة أسناني" (The Story of My Teeth)، حيث تشكلت الرواية عبر سلسلة من التبادلات الصوتية مع مجموعة من العمال في مصنع للعصائر بالمكسيك. كانت لويسيلي ترسل لهم فصولًا أسبوعية من القصة، وكانوا يقومون بتسجيل قراءتهم لها بصوت عالٍ، مصحوبة بانتقاداتهم واقتراحاتهم لتطوير الحبكة. هذه العملية التفاعلية أثرت بشكل كبير في مسار الكتاب.

كما أشارت إلى تجربتها مع كتاب "أخبرني كيف ينتهي الأمر" (Tell Me How It Ends)، وهو مقال مؤثر يستعرض نظام الهجرة الأمريكي. ولد هذا العمل من خلال عملها الدؤوب في الاستماع إلى شهادات الأطفال غير الشرعيين الذين يواجهون إجراءات الترحيل، وترجمة هذه الشهادات وتفريغها. هذا التفاعل المباشر مع القصص الإنسانية المؤلمة شكل جوهر المقال.

على مدار السنوات الخمس الماضية، كرست لويسيلي وفريقها جهودهم لمشروع طموح بعنوان "أصداء من المناطق الحدودية" (Echoes from the Borderlands)، وهو مقال صوتي يعمل كرحلة برية افتراضية على مدار 24 ساعة عبر الحدود الأمريكية المكسيكية. لقد جمعوا مئات الساعات من المواد الصوتية، تتراوح بين الأصوات الطبيعية الهادئة مثل حفيف الرياح بين أشجار الصبار، والأصوات الصاخبة والمزعجة مثل استجوابات دورية حرس الحدود أو هدير إطلاق الصواريخ من موقع ستاربيس في تكساس. هذه المجموعة الصوتية الواسعة تعكس تعقيدات وتناقضات المنطقة الحدودية.

في روايتها الجديدة "بداية وسط نهاية"، تبدو لويسيلي أكثر تركيزًا على الأصوات الطبيعية. النسخة الصوتية للرواية لا تكتفي بسرد القصة، بل تغمر المستمع في مناظر صوتية تم تسجيلها باستخدام تقنيات متقدمة مثل الميكروفونات ثنائية الأذن (binaural mikes)، والميكروفونات تحت الماء (hydrophones)، والمستشعرات الزلزالية (geophones). على مدار العام الماضي، قام الفريق بجمع تسجيلات ميدانية من صقلية والأرخبيل الإيولي، شملت أصوات البحر، والتيارات المائية، والرياح، والبراكين، والنيران، والعواصف الترابية والمطرية، وأجراس الكنائس، وأسواق السمك. تؤكد لويسيلي أن هذه الأصوات ليست مجرد زخرفة أو تعزيز للسرد، بل هي بمثابة "تيار عاطفي خفي" يضيف عمقًا وبعدًا جديدًا للتجربة.

تعتقد لويسيلي أن الصوت يمثل "ترياقًا قويًا" ضد الطبيعة السطحية والعابرة لانتباهنا والعديد من تجاربنا المعاصرة. على عكس الصور التي يمكننا تصفحها بسرعة، لا يمكننا استهلاك الصوت بنفس الطريقة. الاستماع اليقظ للصوت يتيح لنا أن نكون متجذرين عاطفيًا في الزمن، وهي قدرة سابقة للكتابة نفسها. ترى الكاتبة أنه بدون الحضور الكامل والانتباه التام في اللحظة الراهنة، يصعب إنتاج أي عمل ذي معنى حقيقي.

تدور أحداث القصة والكتاب حول أم وابنتها الصغيرة. الأم، المتلهفة "لفرصة البدء من جديد"، تأخذ ابنتها إلى كاتانيا، وهي مدينة صقلية تقع عند سفح جبل إتنا. يفتح هذا الاختيار للمكان آفاقًا واسعة للتأمل. تشير لويسيلي إلى أن اختيار صقلية كخلفية للرواية لم يكن عشوائيًا، بل له أسباب سياسية وجغرافية وفلسفية وأسطورية متعددة.

من الناحية الجيوسياسية، كانت صقلية دائمًا مركزًا للطرق التجارية التاريخية بين أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط، مما جعلها عرضة للغزو من قبل حضارات متعددة مثل القرطاجيين، العرب، الإغريق، النورمان، الفينيقيين، والوندال. هذا التاريخ الغني والمتعدد الطبقات لا يزال حاضرًا بوضوح في مدنها وآثارها. علاوة على ذلك، تحتل صقلية مكانة محورية في مشهد الهجرة المعاصر، حيث تصل نسبة كبيرة من الهجرة البحرية من أفريقيا إلى أوروبا عبر هذه المنطقة، رغم صغر حجم الجزيرة. هذا يجعلها بوتقة تنصهر فيها الثقافات والتجارب الإنسانية.

من الناحية الجيولوجية، تمثل صقلية نقطة التقاء وتصادم بين الصفائح التكتونية للقارة الأفريقية والأوروبية. هذا الموقع الجيولوجي الفريد له آثار عميقة، ليس فقط على المستوى الرمزي، بل أيضًا على المستوى العملي. الأرخبيل الإيولي، الواقع قبالة الساحل الرئيسي، يضم واحدة من أعلى كثافات البراكين النشطة في العالم، بما في ذلك جزيرة سترومبولي وبركانولجانو. الأصوات المنبعثة من هذه الظواهر الطبيعية، سواء كانت انفجارات بركانية أو هدير الأمواج، تشكل جزءًا لا يتجزأ من الهوية الصوتية للجزيرة.

من خلال هذا الدمج المبتكر بين السرد المكتوب والتسجيلات الصوتية الغنية، تسعى فاليريا لويسيلي في "بداية وسط نهاية" إلى تقديم تجربة أدبية متعددة الأبعاد، تتجاوز حدود الكلمات لتصل إلى مستويات أعمق من الإحساس والفهم. إنها دعوة للاستماع بعمق، ليس فقط إلى الأصوات الخارجية، بل أيضًا إلى الأصداء الداخلية التي تثيرها فينا، وإلى الإمكانات اللانهائية للبدايات الجديدة.

# فاليريا لويسيلي # بداية وسط نهاية # الأصوات الميدانية # الأدب # الرواية الصوتية # صقلية # الذاكرة # الاستماع # التجربة الحسية # الهجرة
اقرأ هذا الخبر