ألمانيا - وكالة أنباء إخباري
فريدريش ميرتس: دعوة جريئة لأوروبا مستقلة في وجه النظام العالمي المتغير
في خطوة غير مسبوقة، ألقى المستشار الألماني فريدريش ميرتس الخطاب الافتتاحي لمؤتمر ميونيخ للأمن يوم الجمعة، مستغلاً هذا المنبر العالمي لتحديد مسار جديد لأوروبا. أكد ميرتس بقوة على الحاجة الملحة للاستقلالية العسكرية، والقوة الاقتصادية، والوحدة السياسية كركائز أساسية لتمكين أوروبا من تأكيد مكانتها في نظام عالمي يتسم بسياسات القوى العظمى المتنافسة. وقد كان جوهر رسالته واضحًا: "نحن لا نؤمن بالتعريفات الجمركية والحمائية، بل بالتجارة الحرة".
لم يتردد ميرتس في توجيه انتقادات علنية للسياسات الداخلية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وهي خطوة لافتة للنظر أثارت ردود فعل واسعة. وقد أشارت صحيفة "نيويورك تايمز" إلى أن خطاب ميرتس لم يكن مجرد "ترنيمة تمجيد للنظام العالمي القديم"، بل كان "نقدًا مزدوجًا: للولايات المتحدة لخرقها القيم المشتركة عبر الأطلسي، ولأوروبا لعدم قيامها بما يكفي للدفاع عن أمنها وتعزيز اقتصادها بشكل مستقل عن أمريكا". هذا التحليل يسلط الضوء على عمق التحدي الذي طرحه ميرتس، مشيرًا إلى أن المشكلة لا تكمن فقط في التغيرات الخارجية، بل أيضًا في القصور الأوروبي الداخلي.
اقرأ أيضاً
من جانبها، أكدت شبكة "سي إن إن" أن خطاب ميرتس "أبرز المسافة المتزايدة بين الولايات المتحدة وأوروبا". وأشارت إلى أن انتقاداته الصريحة لسياسات إدارة ترامب المتعلقة بالتعريفات الجمركية، وتغير المناخ، وحروب الثقافة "يمكن أن تثير استياءً في واشنطن". هذه الملاحظة تشير إلى أن خطاب ميرتس لم يكن مجرد خطاب سياسي، بل كان إشارة واضحة إلى تحول محتمل في العلاقات عبر الأطلسي، مع استعداد ألمانيا لاتخاذ موقف أكثر حزمًا.
وذهب موقع "بوليتيكو" إلى أبعد من ذلك، مقتبسًا قول ميرتس بأن "مطالبة الولايات المتحدة بالقيادة قد تم الطعن فيها، وربما تكون قد ضاعت بالفعل". وصفت بوليتيكو خطاب ميرتس بأنه "التقييم الأكثر صرامة حتى الآن من برلين" لعالم يتزايد تحديده بتنافس القوى الكبرى. هذا التقييم يعكس إدراكًا متزايدًا في العواصم الأوروبية بأن الاعتماد التاريخي على القيادة الأمريكية قد لا يكون مستدامًا في المستقبل.
أما صحيفة "لوبينيون" الفرنسية، فقد أشارت إلى أن ميرتس "لاحظ تدمير النظام الدولي ومد يده إلى واشنطن لإصلاح وإنعاش العلاقات عبر الأطلسي". ومع ذلك، شددت الصحيفة على أن ميرتس "وضع شروطه وأظهر قدرًا كبيرًا من الثقة بالنفس". ولخصت الصحيفة موقفه بقولها: "زعيم أكبر اقتصاد في أوروبا أوضح أمام نظرائه في ميونيخ أن التقارب مع الولايات المتحدة في ظل دونالد ترامب يجب ألا يأتي على حساب القيم الأساسية التي أصبحت مهددة الآن عبر الأطلسي، مثل سيادة القانون والحقوق والحريات". هذا يبرز أن أي شراكة مستقبلية ستكون على أساس المساواة والاحترام المتبادل للقيم الديمقراطية.
وسلطت "سكاي نيوز" البريطانية الضوء على أهمية خطاب ميرتس الافتتاحي، مشيرة إلى أنه "كان محاولة حقيقية لتحديد نبرة مؤتمر الأمن لهذا العام – على النقيض الشديد من العام الماضي، الذي طغى عليه نائب الرئيس الأمريكي". وأفادت بأن ميرتس "قدم رسالة قوية جدًا، باللغة الإنجليزية أيضًا، موجهة إلى الأمريكيين الذين كانوا حاضرين في الجمهور". هذا يشير إلى استراتيجية مدروسة لإيصال الرسالة مباشرة إلى الوفد الأمريكي.
وفي تحليلها، ذكرت صحيفة "نوي تسورخر تسايتونغ" السويسرية أن "المستشارين الألمان كانوا يفضلون التراجع في مؤتمر الأمن بميونيخ، تاركين الخطاب الافتتاحي لضيوف من الخارج". ولكن مع ميرتس، "يجب أن ينتهي هذا التردد الآن". وأشارت إلى أن "هذه الجرأة كان لها سبب. أراد ميرتس استخدام أكبر مسرح دولي ممكن للإعلان عن تغيير في المسار: ألمانيا تكتشف سياسة القوة لنفسها". هذا يمثل تحولًا كبيرًا في التفكير الاستراتيجي الألماني.
أخيرًا، علقت صحيفة "الغارديان" البريطانية بأن ميرتس في خطابه، الذي كان يهدف إلى "إظهار نبرة حازمة وفي الوقت نفسه تصالحية فيما يتعلق بمستقبل الشراكة عبر الأطلسي، جادل بأن النظام القديم قد انتهى، ولكن في العصر الجديد للقوى العظمى، حتى الولايات المتحدة ستصل إلى حدود قدراتها إذا تصرفت بمفردها". هذا يؤكد على الحاجة إلى التعاون متعدد الأطراف، حتى بالنسبة للقوى العظمى، في مواجهة التحديات العالمية المعقدة. مجمل ردود الفعل الصحفية تؤكد على الأهمية المحورية لخطاب ميرتس كعلامة على اتجاه جديد محتمل في السياسة الخارجية الألمانية والأوروبية.