إخباري
الثلاثاء ٢ يونيو ٢٠٢٦ | الثلاثاء، ١٧ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ
عاجل

في حفل شاي بونابو، يكتشف العلماء مؤشرات على الخيال

دراسة رائدة تشير إلى أن أشباه البشر لديهم القدرة على اللعب ا

في حفل شاي بونابو، يكتشف العلماء مؤشرات على الخيال
عبد الفتاح يوسف
منذ 3 شهر
160

جمهورية الكونغو الديمقراطية - وكالة أنباء إخباري

في حفل شاي بونابو، يكتشف العلماء مؤشرات على الخيال

في تطور علمي قد يعيد تشكيل فهمنا لما يعنيه أن تكون إنسانًا، كشفت الأبحاث الحديثة أن قدراتنا الذهنية المعقدة، مثل التخيل واللعب التخيلي، قد لا تكون حكرًا على البشر. فقد أظهرت دراسة رائدة، نُشرت نتائجها مؤخرًا في مجلة Science المرموقة، أن البونوبو، أحد أقرب أقربائنا الأحياء، يمتلكون القدرة على الانخراط في سلوكيات تشبه اللعب التخيلي، مما يفتح آفاقًا جديدة لفهم تطور الوعي والإدراك.

لطالما اعتبرت قدرات مثل تكوين صداقات وهمية، ولعب الأدوار، والتفكير في المستقبل، من السمات المميزة للجنس البشري. إلا أن هذه الدراسة، التي أجراها فريق من العلماء المتخصصين في علم الإدراك، تقدم دليلًا قويًا على أن هذه القدرات قد تكون لها جذور أعمق في شجرة التطور، وتحديدًا في أشباه البشر. يشير الباحثون إلى أن هذه الاكتشافات لا تسلط الضوء فقط على الثراء العقلي لهذه المخلوقات الرائعة، بل تقدم أيضًا لمحات عن القدرات المعرفية لأسلافنا المشتركين.

الدكتور كريستوفر كروبيني، عالم الإدراك في جامعة جونز هوبكنز وأحد مؤلفي الدراسة، علق على أهمية هذه النتائج قائلاً: "هذا أحد الأشياء التي نفترض أنها مميزة لأنواعنا. هذا النوع من الاكتشافات يوضح لنا حقًا أن هناك ثراءً أكبر في عقول هذه الحيوانات مما يمنحه الناس الفضل فيه".

لم يكن العلماء غافلين تمامًا عن قدرات أشباه البشر على بعض أشكال الخيال. فمن المعروف أن القردة العليا قادرة على تخيل وجود طعام مخبأ في كوب حتى لو لم تره، وذلك بناءً على ملاحظة شخص يقوم بإخفائه. يتطلب هذا النوع من الخيال الحفاظ على تصور واحد للعالم، وهو التصور الذي يعرفون أنه صحيح. ومع ذلك، فإن الدراسة الحالية تتجاوز هذا المفهوم.

يوضح الدكتور كروبيني: "هذا العمل يتجاوز ذلك. لأنه يقترح أنهم قادرون، في نفس الوقت، على النظر في وجهات نظر متعددة للعالم والتمييز حقًا بين ما هو حقيقي وما هو خيالي". هذه القدرة على معالجة معلومات متناقضة أو افتراضية هي حجر الزاوية في التفكير المجرد والخيال البشري.

لإجراء هذه الدراسة، اختار الباحثون البونوبو، وهو نوع مهدد بالانقراض لا يوجد إلا في جمهورية الكونغو الديمقراطية، نظرًا لصعوبة دراستهم في البرية. اعتمد الفريق على منظمة تُعرف باسم "مبادرة القردة" (Ape Initiative) لدراسة "كانزي"، وهو ذكر بونوبو اشتهر بفهمه لبعض الكلمات الإنجليزية المنطوقة. كان كانزي قردًا تم تربيته في الأسر وتوفي العام الماضي عن عمر يناهز 44 عامًا.

صمم الباحثون ثلاث سيناريوهات تجريبية لـ "كانزي"، ووصفوها بأنها "حفلات شاي"، لمحاكاة مواقف تتطلب التمييز بين الواقع والخيال. في التجربة الأولى، التي استلهمت من أبحاث سابقة أجريت على الأطفال في الثمانينيات، جلس عالم أمام طاولة صغيرة تحمل كوبين فارغين وإبريقًا فارغًا. قام الباحث بـ "صب" عصير وهمي في كل كوب، ثم أعاد صب محتويات أحد الأكواب مرة أخرى في الإبريق. كان الهدف هو معرفة ما إذا كان كانزي سيتمكن من تتبع السوائل الوهمية وإدراك أن أحد الأكواب لا يزال يحتوي على سائل (وهمي) والآخر فارغ.

عندما سُئل كانزي "أين العصير؟"، أشار بشكل ملحوظ إلى الكوب الذي يحتوي على العصير الوهمي، بمعدل يتجاوز الصدفة بكثير. ومع ذلك، تساءل العلماء عما إذا كان كانزي قد ارتبك. لذلك، في التجربة الثانية، تم تقديم كوبين لـ "كانزي": أحدهما يحتوي على عصير حقيقي والآخر تم صب عصير وهمي فيه. وعند سؤاله "أين العصير؟"، أشار كانزي إلى الكوب الذي يحتوي على العصير الحقيقي، مرة أخرى بمعدل أعلى من المتوقع بالصدفة.

التجربة الثالثة تضمنت نقل عنب وهمي إلى وعاءين، ثم إفراغ أحدهما. في أكثر من نصف المحاولات، نجح كانزي في تحديد موقع العنب الوهمي. هذه النتائج مجتمعة توفر دليلًا قويًا على قدرة كانزي على التمييز بين ما هو حقيقي وما هو خيالي.

علق الدكتور جوزيف فيلدبلوم، عالم الأنثروبولوجيا التطورية في جامعة ديوك، الذي لم يشارك في البحث، قائلاً: "من الرائع الحصول على مثل هذا الدليل الواضح على الخيال. هذه التجارب قادرة على كشف الطبقات وفهم الكثير عما يحدث بالفعل داخل عقولهم".

في البشر، يقدم الخيال فوائد جمة. فهو يسمح لنا بإعادة تمثيل مواقف قد تحدث في المستقبل، مما يساعدنا على الاستعداد للحياة الواقعية دون تكبد عواقب الأخطاء. يفترض الباحثون أن أشباه البشر قد يستفيدون أيضًا من تحديد طرق أكثر ربحية للمضي قدمًا في بيئتهم.

تقول الدكتورة أماليا باستوس، عالمة الإدراك في جامعة سانت أندروز وأحد مؤلفي الدراسة: "هناك العديد من الفوائد لعدم التقييد باللحظة الحالية، لأنك تستطيع البدء في التفكير في المستقبل البديل". هذه القدرة على تصور مسارات مختلفة للمستقبل هي سمة أساسية للتخطيط واتخاذ القرارات الاستراتيجية.

بالنسبة لبعض العلماء، تعتبر هذه الدراسة تأكيدًا لما كانت الملاحظات الطبيعية قد دفعتهم إلى الاشتباه به بالفعل. الدكتور مارتن سوربيك، عالم الرئيسيات في جامعة هارفارد، الذي لم يشارك في البحث، يعمل مع مجموعة من البونوبو البرية في جمهورية الكونغو الديمقراطية. لقد شهد بنفسه صغار إناث البونوبو يأخذن عصا ويضعنها على ظهورهن، كما لو كن يلعبن بطفل رضيع.

يقر الدكتور سوربيك بأن مثل هذا السلوك في البرية قد لا يثبت بالضرورة قدرة أشباه البشر على التخيل بمفرده. ومع ذلك، فإن هذه الدراسة تمثل "دليلًا أكثر صرامة على مفهوم الوجود".

لا تزال هناك أسئلة عديدة معلقة. في ظل أي ظروف انتقائية طبيعية اكتسبت البونوبو القدرة على اللعب التخيلي؟ يتساءل الدكتور سوربيك: "من أين يأتي؟ كيف تطور؟ لماذا تمتلك القردة العليا والبشر ذلك، بافتراض أن الآخرين لا يمتلكونه؟"

بصفتهم أقرب أقربائنا التطوريين الأحياء، يقدم البونوبو والشمبانزي أدلة حول أصول القدرات البشرية. تشترك الأنواع الثلاثة في سلف مشترك عاش قبل حوالي سبعة ملايين سنة؛ وانفصل البونوبو عن الشمبانزي قبل مليون إلى مليوني سنة. يؤكد الدكتور سوربيك أن البشر لم يظهروا بشكل كامل فجأة، بل "مهما كنا، فنحن نأتي من مكان ما". ويضيف: "وجميع سلوكياتنا لها سلائف. وعلى الأرجح، فإن معظم هذه السلائف موجودة في أقرب أقربائنا الأحياء".

هذه الدراسة المبتكرة لا تقتصر على إثارة الفضول العلمي فحسب، بل تثير أيضًا تساؤلات فلسفية عميقة حول طبيعة الوعي، وحدود القدرات المعرفية، والعلاقة التطورية بين البشر وبقية مملكة الحيوان. مع استمرار البحث، قد نكتشف المزيد عن الروابط العميقة التي تجمعنا بأقرب أقربائنا، وعن الأصول المشتركة لبعض أعمق قدراتنا الذهنية.

الكلمات الدلالية: # البونوبو # الخيال # اللعب التخيلي # علم الإدراك # التطور # القردة العليا # السلوك الحيواني # أصول القدرات البشرية