القاهرة - وكالة أنباء إخباري
فيلم "بيّت الحس" يتألق في برلين: هيام عباس تكشف عمق تجربتها الفنية والإنسانية
شهدت الدورة السادسة والسبعون لمهرجان برلين السينمائي الدولي، أحد أبرز المحافل السينمائية العالمية، حدثًا ثقافيًا لافتًا تمثل في المؤتمر الصحفي الخاص بصناع الفيلم التونسي "بيّت الحس". هذا العمل الفني الطموح، الذي يُشارك في المسابقة الرسمية للمهرجان، جذب الأنظار بتناوله لقصة عميقة ومعقدة، وبتواجد نخبة من الممثلين المرموقين، في مقدمتهم النجمة الفلسطينية المتألقة هيام عباس، التي قدمت إضاءات قيمة حول رؤيتها الفنية وفلسفتها في التعامل مع الشخصيات على الشاشة.
تحدثت هيام عباس، المعروفة بعمق أدائها وحضورها الآسر، عن تجربتها في تجسيد شخصياتها، مؤكدة على أن تعاملها مع السيناريو يبدأ من النص المكتوب، لكنه لا يتوقف عنده. ففي كل دور تؤديه، تعمل عباس ضمن رؤية المخرجة، وتتعاون معها بشكل وثيق لبناء ملامح الشخصية تدريجياً، مع مرور الوقت، وتراكم التفاصيل. هذه المنهجية تشير إلى التزامها بالعملية الإبداعية المشتركة، وإيمانها بأن الشخصية ليست مجرد كلمات على ورق، بل كيان حي يتطور ويتبلور عبر التفاعل بين النص، رؤية المخرج، وإسهام الممثل.
اقرأ أيضاً
وأوضحت عباس أن المعيار الأساسي لاختيار أدوارها يكمن في مدى إعجابها بالشخصية نفسها. فهي لا تنجذب إلى الشخصيات أحادية البعد أو السطحية، بل تسعى دائمًا للغوص في أعماق التعقيد الإنساني. هذا الرفض للقوالب النمطية ليس مجرد موقف شكلي، بل هو جوهر فلسفتها الفنية؛ فهي تدرك أن تقديم شخصية مجردة من التعقيدات سيجعلها مجرد تجسيد لقالب جاهز، مما يفقدها روحها وتأثيرها. بالنسبة لهيام عباس، إذا لم يتضمن الدور فرصة لاستكشاف الطبقات النفسية والاجتماعية المتشابكة، فلن يكون ذا قيمة فنية حقيقية بالنسبة لها. هذه الرؤية جعلتها واحدة من أكثر الممثلات العربيات احترامًا وطلبًا في السينما العالمية.
تستذكر عباس شغفها الشديد بالشخصية التي جسدتها في "بيّت الحس"، حيث كشفت أنها أمضت قرابة الأسبوع في شقتها، منكبة على كل تفاصيل هذه المرأة بكل أبعادها. هذا التفاني في البحث والتحضير يعكس مدى التزامها بمنح كل شخصية تؤديها أقصى درجات الأصالة والعمق، مما يمكّنها من تقديم أداء مقنع ومؤثر يلامس الجمهور ويجعله يتفاعل مع تعقيدات الشخصية الإنسانية التي تقدمها.
تؤمن هيام عباس بأن مسيرتها المهنية تُبرهن على تحديها الدائم للقوالب والقواعد الصماء، وليس بدافع المعارضة فحسب، بل لأنها تشعر أن تحقيق الذات والإنجاز الحقيقي في الحياة يتطلب أحيانًا تجاوز بعض التقاليد أو المفاهيم الراسخة. هذه الشجاعة في كسر التوقعات، سواء في اختيار الأدوار أو في طريقة تجسيدها، هي ما يميز مسيرتها الفنية الطويلة والغنية بالأعمال المميزة، من "الزمن الباقي" لإيليا سليمان إلى "رامي" و"وراثة" (Succession) عالميًا.
لم تتردد عباس في التأكيد على اعتزازها بجذورها وهويتها الفلسطينية، مشددة على حبها لعائلتها وارتباطها العميق بأرضها. فقد تنقلت في أرجاء العالم حاملة معها هويتها وجذورها، ولم تتنازل عنها أبدًا. ترى عباس أن الأهم هو أن تكون صادقة مع نفسها ومع قيمها ومبادئها، ومع القضايا التي تناضل من أجلها. هذه الأصالة والشفافية تظهر بوضوح في اختياراتها الفنية والشخصية، مما يمنحها مصداقية كبيرة لدى جمهورها ووسط زملائها في الصناعة.
"بيّت الحس": حكاية تونسية بعمق عالمي
يُعد فيلم "بيّت الحس" الإضافة الثالثة للمخرجة التونسية الموهوبة ليلى بوزيد في سجل أفلامها الروائية الطويلة. فقد سبق لها أن قدمت عملين حازا على إشادة واسعة هما "على حلّة عيني" عام 2015 و"مجنون فرح" عام 2021. تتميز أعمال بوزيد بجرأتها في طرح القضايا الاجتماعية والشخصية، وعمقها في تناول العلاقات الإنسانية في سياق المجتمع التونسي المعاصر، مما جعلها صوتًا سينمائيًا مميزًا على الساحة العربية والدولية.
يقدم الفيلم قصة "ليليا" التي تعود إلى تونس لحضور جنازة خالها، لتجد نفسها في مواجهة مع عائلة لا تعرف عنها شيئًا، خاصة فيما يتعلق بحياتها في باريس. تدفعها الظروف إلى فك لغز وفاة خالها الغامضة، لتصطدم بسلسلة من الأسرار العائلية العميقة التي تكتنف البيت الذي يضم ثلاثة أجيال من النساء. هذا الإطار الدرامي الغني يفتح الباب أمام استكشاف مواضيع الهوية، الذاكرة، الأسرار المخبأة، ودور المرأة في مجتمعات تتغير، كل ذلك ضمن نسيج أسري معقد يربط الماضي بالحاضر.
يشارك في بطولة الفيلم كوكبة من النجوم والمواهب، منهم آية بوترعة، وماريون باربو، وفريال شماري، وسلمى بكار، وكريم الرمادي، ولسعد الجموسي، ويونس نوار، ونادية بالحاج، وعبد الكريم بناني، بالإضافة إلى النجمة هيام عباس. هذا التجمع للمواهب يعكس حرص المخرجة على تقديم عمل متكامل الأبعاد، يستند إلى أداء تمثيلي قوي ومتناغم.
مع مشاركته في المسابقة الرسمية لمهرجان برلين السينمائي الدولي، يؤكد "بيّت الحس" على الحضور القوي للسينما التونسية والعربية في المحافل الدولية، ويُبرز قدرتها على تقديم قصص ذات طابع محلي وعمق إنساني عالمي. إن تصريحات هيام عباس حول عمق الشخصيات وصدق الأداء، بالإضافة إلى القصة المشوقة ورؤية المخرجة ليلى بوزيد، تجعل من هذا الفيلم أحد الأعمال المنتظرة التي تستحق المتابعة في رحلته العالمية.