إيطاليا - وكالة أنباء إخباري
جيونتولي: من معمار نابولي التاريخي إلى مهندس يوفنتوس الجديد
تُعدّ صفقة انتقال كريستيانو جيونتولي من نابولي إلى يوفنتوس بمثابة فصل جديد ومثير في مسيرة أحد أبرز المديرين الرياضيين في كرة القدم الإيطالية. لم يكن رحيل جيونتولي عن ملعب دييغو أرماندو مارادونا مجرد تغيير في وجهة عمل، بل كان بمثابة تتويج لمرحلة ذهبية قادها في الجنوب، وفتح لباب مغامرة جديدة في تورينو، حيث يُنتظر منه أن يعيد "السيدة العجوز" إلى مكانتها الطبيعية كقوة مهيمنة في إيطاليا وأوروبا. لقد وصف جيونتولي بنفسه هذه الخطوة بأنها "اختيار للقلب"، مؤكداً على ولائه القديم ليوفنتوس الذي كان يشجعه في شبابه، حيث كان يسافر بالحافلة من توسكانا لمشاهدة فريقه المفضل.
مسيرة جيونتولي المهنية هي قصة نجاح متدرجة، بدأت من أندية متواضعة لتصل إلى قمة كرة القدم الإيطالية. بعد تجاربه الأولية في لا سبيزيا وكاربي، حيث أثبت قدرته على بناء فرق تنافسية بموارد محدودة، وجد جيونتولي ضالته في نابولي عام 2015. في ذلك الوقت، كان النادي الجنوبي يمر بمرحلة إعادة هيكلة بعد رحيل المدرب رافائيل بنيتيز. استعان رئيس النادي أوريليو دي لورينتيس بجيونتولي، القادم من كاربي، وبجانبه المدرب ماوريتسيو ساري، الذي نجح في إنقاذ إمبولي من الهبوط. كان هذا التعاون بمثابة الشرارة التي أشعلت ثورة كروية في نابولي.
اقرأ أيضاً
- عون وترامب يبحثان استقرار لبنان والمنطقة: خطة لتفكيك ترسانة حزب الله مقابل انسحاب إسرائيلي
- فرنسا تطالب إيران بتحقيق شامل في حادثة دبلوماسية وتؤكد على ضرورة احترام الأعراف الدولية
- لقاء تاريخي في البيت الأبيض: ترامب وعون يبحثان العلاقات الثنائية وسط أجواء ودية
- ترامب يمهد للعبث بنتائج انتخابات التجديد النصفي بمزاعم غير مؤكدة
- تصعيد خطير: أمريكا تواصل ضرباتها وإيران تستهدف قواعد أمريكية بالمنطقة
خلال فترة قيادته الرياضية، نجح جيونتولي في إبرام صفقات استراتيجية أثمرت عن بناء فريق قوي قادر على المنافسة على أعلى المستويات. ورغم وجود بعض الاختيارات التي لم تكن موفقة بالكامل، إلا أن بصماته الواضحة ظهرت في اكتشاف مواهب استثنائية. أسماء مثل آلان، بيوتر زيلينسكي، جيوفاني دي لورينزو، وفابيان رويز، أصبحت ركائز أساسية في الفريق، وشكلت نواة فريق الأحلام. لكن الرهان الأكبر، والذي أثبت جيونتولي من خلاله رؤيته الثاقبة، كان في عام 2020 عندما حصل على موافقة الرئيس دي لورينتيس للاستثمار بمبلغ 50 مليون يورو في ضم النيجيري فيكتور أوسيمين. لقد كان هذا استثماراً جريئاً، لكنه أثمر عن لاعب استثنائي، حيث كان لنابولي ولجيونتولي الفضل في اكتشاف قدرات أوسيمين وتطويرها لتصبح قوة ضاربة.
ومع ذلك، تبقى فترة الانتقالات الصيفية الماضية هي الأكثر إبهاراً في مسيرة جيونتولي مع نابولي. في خضم ثورة شاملة داخل الفريق، راهن جيونتولي على لاعبين لم يكونوا في دائرة الضوء الأوروبية آنذاك، مثل المدافع الكوري الجنوبي كيم مين جاي والجناح الجورجي خفيتشا كفاراتسخيليا. هذه الرهانات الذكية، التي قد تبدو مغامرة في البداية، تحولت إلى نجاحات مدوية، حيث كان لهذين اللاعبين دور حاسم في قيادة نابولي نحو تحقيق لقب الدوري الإيطالي الثالث في تاريخه. كانت هذه نهاية مثالية لدورة استمرت ثماني سنوات، تاركةً إرثاً لا يُمحى.
الآن، ينتقل جيونتولي إلى تحدٍ جديد مع يوفنتوس، حيث وقع عقداً مدته خمس سنوات. ومع ذلك، فإن بداية رحلته في تورينو لم تكن بالزخم المتوقع. في أول شهرين من فترة الانتقالات، لم يبرم النادي سوى صفقة واحدة (وصول ويليام ويبر قبل انضمام جيونتولي)، على الرغم من المحاولات الجادة للتعاقد مع فيديريكو بيراردي واقتراح مبادلة لوكاكو بـ فلاهوفيتش، والذي لم يتم في النهاية، مما أثار ارتياحاً لدى قطاع كبير من جماهير "اليوفي". ركز جيونتولي في هذه الفترة على تنظيم خروج بعض اللاعبين، ومن المتوقع أن تظل الأولوية المستقبلية هي إعادة التوازن المالي للنادي، خاصة بعد موسم غاب فيه الفريق عن المشاركات الأوروبية.
لكن جيونتولي أثبت أن المدير الرياضي يمكن أن يترك بصمته حتى بدون صفقات مدوية. منذ وصوله، بدأ التحسن يظهر على أداء الفريق وبيئته. المدرب ماسيميليانو أليغري، على سبيل المثال، استعاد تركيزه بالكامل على الجانب الفني والتكتيكي، بعيداً عن ضغوط إدارة الانتقالات. كما أن العلاقة بين جيونتولي واللاعبين أصبحت قوية وسريعة. فبينما هو الآن رجل مكاتب، إلا أنه في الماضي كان لاعباً، ويفهم ديناميكيات غرفة الملابس ويتحدث بلغة اللاعبين. النتائج تتحدث عن نفسها؛ يوفنتوس يحتل حالياً المركز الثاني في جدول الترتيب، بفارق نقطتين فقط عن المتصدر إنتر ميلان، وتشعر الجماهير بالأمل في المنافسة على لقب الدوري. قد يكون الأوان مبكراً للحسم، ويُصرّ الجميع في مقر النادي على ضرورة الحفاظ على الهدوء، لكن مجرد التفكير في المنافسة على اللقب هو بحد ذاته تقدم كبير مقارنة بالسنوات الماضية.
وفي سياق متصل، فإن المباراة القادمة أمام نابولي ستكون بمثابة "عودة إلى المستقبل" بالنسبة لجيونتولي، حيث سيواجه فريقه السابق الذي صنع فيه أمجاداً لا تُنسى. هذه المواجهة المرتقبة ستكون اختباراً حقيقياً لقدرة جيونتولي على تكرار نجاحاته، وإثبات أن شغفه بكرة القدم، الذي دفعه للعبور من توسكانا إلى نابولي ومن ثم إلى تورينو، سيظل هو المحرك الأساسي لتقديم الأفضل.