الأحد، ٤ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ / 16 أغسطس 2026 م 06:35 م بتوقيت القاهرة
إعدادات الصفحة
الوضع الداكن
الصلاة القادمة --:--:--
--° القاهرة

كعك العيد: بهجة مصرية تتوارثها الأجيال في احتفالات الفطر

منذ آلاف السنين، يمثل إعداد الكعك والبسكويت رمزاً للفرح والت
استمع للخبر الشرق الأوسط عبد الفتاح يوسف 2026-03-17 11:50 14
كعك العيد: بهجة مصرية تتوارثها الأجيال في احتفالات الفطر

طقوس العيد: إعداد الكعك رمز البهجة المصرية

في الأيام الأخيرة من شهر رمضان المبارك، تعيش معظم الأسر المصرية أجواءً احتفالية مميزة تتمثل في إعداد كعك العيد والبسكويت، لتصبح هذه الممارسة جزءاً لا يتجزأ من مظاهر الاحتفال بقدوم عيد الفطر. تتجسد في هذه العملية فرحة عارمة تشمل الكبار والصغار، حيث تتولى الأم أو الجدة زمام المبادرة في التحضير، بينما يشارك باقي أفراد الأسرة، من نساء وجارات، في مراحل الصب، والنقش، والزخرفة، وسط تبادل التهاني والأغاني والأخبار.

تنتشر رائحة تسوية الكعك الشهية من البيوت، معلنةً للجميع اقتراب موعد العيد. ولم تقتصر هذه الصناعة على المنازل، بل ازدهرت أيضاً في محلات الحلويات الشهيرة والمتاجر الشعبية، بالإضافة إلى المخابز المنتشرة في الأحياء التي تنشط في هذا المجال أواخر الشهر الكريم. يتجمع الزبائن، غالبيتهم من النساء، حول الأفران لخبز كعكهم، مما يضفي على الأجواء طابعاً احتفالياً مميزاً.

تاريخ عريق: من القرابين الفرعونية إلى موائد العيد

تُعد صناعة الكعك تقليداً متوارثاً عبر السنين، يحمل في طياته إحساساً بالبركة والفرحة. يعود تاريخ هذه المعجنات إلى أقدم العصور، حيث كانت تُصنع من خلط السمن واللبن والدقيق، وكانت تقدم كقرابين وهبات للمعابد والأماكن الدينية، وتُقدم أيضاً لزيارة الموتى طلبًا للرحمات. ومع مرور الزمن، دخلت الكعك في المناسبات العامة لإضفاء البهجة والفرحة وطلب الرزق الوفير.

في عيد الفطر، لا يكاد يخلو منزل مصري من إعداد الكعك، الذي يتفنن المصريون في صنعه بأنواعه المختلفة، كالكعك السادة، أو المحشو بالملبن، أو العجوة، أو المكسرات. إلى جانب الكعك، تُعد القراقيش والغريبة والبسكويت أيضاً، لتظل هذه الصناعة المنزلية عادة طيبة وقيمة معنوية تحمل الفرح والمتعة وإحياءً للذكريات المتوارثة.

إرث الأجداد: صمود التقليد رغم الظروف

على الرغم من الأعباء المادية التي قد تثقل كاهل الأسر، يصر القادر وغير القادر على صناعة الكعك، وذلك بفضل روح المساعدة المتبادلة. ففي الريف المصري، كان يتم إهداء المواد اللازمة كاللّبن والسمن والدقيق، كما كانت الأسر تستعير الأدوات اللازمة كالمناقيش والقوالب. كل ذلك بهدف إدخال الفرحة والبهجة بقدوم العيد، وكعوض عن ألم فراق شهر رمضان الكريم.

تُقدم هذه الحلويات للضيوف خلال أيام العيد، جنباً إلى جنب مع المكسرات والشكولاتة والبلح، لتصبح جزءاً لا يتجزأ من عادات الضيافة المصرية.

رحلة عبر الزمن: من النقوش الفرعونية إلى العهد الفاطمي

تعود صناعة الكعك في مصر إلى العهد الفرعوني قبل 5000 عام، حيث وُجدت أشكال متعددة له في نقوش المقابر. كانت زوجات الملوك قدمنه للكهنة القائمين على حراسة هرم خوفو. تشير الدلائل إلى صنع الكعك على هيئة قرص، ثم التفنن في تشكيله وزخرفته، حيث كانت ترسم صورة الشمس عليه. ورغم آلاف السنين، ظلت صناعة الكعك التقليدية متوارثة.

في العصور الإسلامية، يرجع تاريخ الكعك إلى عهد الطولونيين (902-968م)، حيث كان يصنع بقوالب مكتوب عليها 'كل واشكر'. وفي العهد الإخشيدي، حشى وزير الدولة أبو بكر المدراني الكعك بالدنانير الذهبية وكتب عليه 'افطن لما فيه'. أما في العصر الفاطمي (حتى 1171م)، فقد خصص الخليفة مبلغ 20 ألف دينار لعمل كعك عيد الفطر، وكان يبدأ صنعه من منتصف شهر رجب، وتم إنشاء إدارة حكومية تُعرف بـ 'دار الفطرة' لتولي صناعته وتوزيعه، وكان الشعب يقف في طوابير للحصول على نصيبه.

صلاح الدين والمماليك: استمرار التقليد رغم التغييرات

في العصر الأيوبي، قضى صلاح الدين الأيوبي على العديد من العادات الفاطمية، ولكنه فشل في القضاء على عادة إعداد الكعك والحلويات الرمضانية. وفي العهد المملوكي (1250-1517م)، اهتم السلاطين بصناعة الكعك وقدموه بكثرة للفقراء والمحتاجين وطلاب العلم، معتبرين إياه صدقة في عيد الفطر. استمر هذا التقليد في عهد الاحتلال العثماني، ليظل التراث العربي محافظاً على هذه العادة، خاصة في مصر وبلاد الشام.

في الختام، ورغم تغير الظروف الاقتصادية والاجتماعية، يظل المصريون والعديد من البلدان الإسلامية حريصين على صناعة الكعك والبسكويت ابتهاجاً بعيد الفطر، ليظل هذا التقليد الموروث عنواناً كبيراً لدخول العيد، ورمزاً للفرحة والبهجة والتواصل الاجتماعي.

# كعك العيد # عيد الفطر # تقاليد مصرية # حلويات العيد # صناعة الكعك # فرحة العيد # تراث مصري
اقرأ هذا الخبر