القاهرة - وكالة أنباء إخباري
في ليلةٍ فنيةٍ لا تُنسى، واصلت دار الأوبرا المصرية احتفالاتها بـ«ليالي عيد الحب»، مقدمةً أمسيةً ثانيةً خاطفة للأنفاس على مسرح النافورة المغطى، شهدت تفاعلاً جماهيرياً غفيراً وحضوراً لافتاً. الأمسية، التي اكتست حلّة الرومانسية الأصيلة، تجسدت فيها عظمة الموسيقى العربية وألق زمن الفن الجميل، عبر باقة من الأصوات الواعدة ونجوم الأوبرا الذين أجادوا في لمس القلوب وبعث الحنين.
مع بداية الأمسية، التي أُقيمت تحت قيادة المايسترو المتألق أحمد عامر، استُقبل الجمهور بمعزوفة موسيقية ساحرة لأغنية «في يوم وليلة»، التي تُعد أيقونة خالدة في وجدان المستمع العربي. أداء الفرقة الموسيقية المحترف لهذه المقدمة كان بمثابة دعوة صامتة للحاضرين للانغماس في عالم من الشجن والرومانسية، ممهداً الطريق لسلسلة من الطرب الأصيل الذي ترك بصمة عميقة في نفوس الحضور.
اقرأ أيضاً
سوزان ممدوح تفتح دفاتر الرومانسية الكلاسيكية
استهلت نجمة الموسيقى العربية بالأوبرا، سوزان ممدوح، الجزء الغنائي من الأمسية بمجموعة مختارة بعناية من ذكريات الرومانسية التي تعود لزمن الفن الجميل. بصوتها الدافئ وإحساسها المرهف، أطربت ممدوح الجمهور بأغنيات خالدة مثل «القلب معاك» لكوكب الشرق شادية، و«زي العسل» للشحرورة صباح. لم تكن هذه مجرد أغنيات، بل كانت رحلة عبر الزمن، استعادت فيها سوزان بريق هذه الأعمال الفنية، وأعادت إحياء المشاعر الجياشة التي تحملها، لتلقى تفاعلاً واستحساناً كبيراً من الحشد الجماهيري الغفير، الذي بدا متفاعلاً بكل جوارحه مع كل نغمة وكلمة.
رحاب مطاوع ترتدي عباءة وردة الجزائرية: تحدي الإبداع والوفاء
في لفتةٍ فنيةٍ مؤثرة، ارتقت نجمة الموسيقى العربية بالأوبرا، رحاب مطاوع، خشبة المسرح مرتدية عباءة الراحلة الكبيرة وردة الجزائرية، في تكريمٍ مهيب لعملاقة الطرب العربي. لم يكن هذا مجرد اختيار لزي، بل كان بياناً فنياً يؤكد على عمق التأثر بتراث وردة وتقدير مكانتها الفريدة في عالم الغناء. قدمت مطاوع أداءً مبهراً لأغنيتين من روائع وردة الخالدة: «بتونس بيك» و«في يوم وليلة». نجحت رحاب في الجمع بين روح وردة الأصيلة وبين بصمتها الصوتية المميزة، لتُظهر قدرة فائقة على أداء هذه الأعمال الصعبة التي تتطلب إمكانيات صوتية وإحساساً عالياً. هذا الأداء، الذي كان مزيجاً من الاحترام للتراث والقدرة على التجديد، لاقى استحساناً وتفاعلاً جماهيرياً استثنائياً، حيث صفق الحضور بحرارة لإبداعها وقدرتها على استدعاء روح “الجزائرية” على المسرح.
تامر عبد النبي وجولة في عالم الغزل والعشق
لم تكتمل ليلة الرومانسية إلا بصوت نجم الموسيقى العربية بالأوبرا، تامر عبد النبي، الذي قدم جولة غنائية متميزة في عالم الغزل والعشق. بصوته القوي وأدائه المعبر، أطرب عبد النبي الجمهور بمجموعة من الأغنيات العاطفية التي تنوعت بين الشجن والفرح، منها «على شط بحر الهوى»، و«عنابي»، و«وحياتك يا حبيبي». أظهر تامر عبد النبي قدرة فنية على التنوع في الأداء، مقدماً بصمته الخاصة لهذه الأغنيات، والتي نالت إعجاب واستحسان الحضور، مؤكداً على مكانته كأحد الأصوات الشابة الواعدة في سماء الأوبرا المصرية.
تُعد هذه الأمسية الثانية من ليالي عيد الحب دليلاً ساطعاً على الدور المحوري الذي تلعبه دار الأوبرا المصرية في صون التراث الموسيقي العربي وإثرائه، وفي ذات الوقت، تقديم منصة حيوية للمواهب الشابة. لقد جمعت الأمسية بين عظمة الماضي وإشراقة الحاضر، مؤكدة أن الموسيقى العربية، بأصالتها وتنوعها، ستبقى دوماً جسراً يربط الأجيال ويعزز الهوية الثقافية. هذه الاحتفاليات لا تقتصر على كونها مجرد عروض فنية، بل هي دروس في الذوق الرفيع، ورسائل حب للوطن ولغته وفنه، تستمر في جذب الجمهور من مختلف الأعمار، وتؤكد أن الفن الأصيل لا يزال يمتلك القدرة على توحيد القلوب وإسعاد الأرواح في زمنٍ تتسارع فيه وتيرة الحياة.