إعدادات الصفحة
الوضع الداكن
--° القاهرة

محمود عزت: تحولات «مرشد الظلام» من مراهقة الاغتراب إلى قيادة تنظيم إرهابي

عام 1960: محطات رئيسية في تشكيل فكر «رأس الأفعى» وسط صعود ال
استمع للخبر عبد الفتاح يوسف 2026-03-18 12:35 10
محمود عزت: تحولات «مرشد الظلام» من مراهقة الاغتراب إلى قيادة تنظيم إرهابي

مقدمة: مراهقة عزت في القاهرة وصراع داخلي

في عام 1960، وبينما كانت مصر تشهد نهضة وطنية كبرى، كان شاب نحيل في السادسة عشرة من عمره يدعى محمود عزت يخطو خطواته المتثاقلة في شوارع حي مصر الجديدة بالقاهرة. لم يكن هذا الشاب يعلم حينها أن مساره سيقوده ليصبح أحد أبرز قادة جماعة الإخوان المسلمين المصنفة إرهابية، وأن تلك الفترة المبكرة ستمثل حجر الزاوية في تشكيل شخصيته المتطرفة التي عُرفت لاحقًا بلقب «مرشد الظلام». هذه القصة، التي تتشابك خيوطها مع أحداث تاريخية مصيرية، تُلقي الضوء على الجذور العميقة لتحولات عزت، في سياق يذكر ببعض الروايات الدرامية مثل مسلسل «رأس الأفعى» الذي يتناول قصصًا مشابهة.

لم يكن انتقال عزت للعيش مع أسرته في حي مصر الجديدة عام 1960 مجرد تغيير جغرافي، بل كان صراعًا ثقافيًا ونفسيًا هز أركان عقله المراهق. فقد وجد الشاب، الذي تشبع في طفولته المبكرة بأحاديث التنظيم السري وهمسات التشدد، نفسه وجهًا لوجه مع مجتمع يعتبر «متحررًا» بمقاييسه آنذاك، حيث الفن والسينما والنساء المثقفات والشباب المنفتح على الثقافة العالمية.

عام 1960: مصر تنهض وعزت يتقوقع

بدلاً من أن يندمج عزت في هذا المجتمع الذي حاول والده إقحامه فيه، حدث رد فعل عكسي تمامًا. تقوقع الشاب داخل نفسه، وشعر باغتراب هائل جعل كل مشهد للتحضر في شوارع مصر الجديدة يتحول في نظره إلى ما رفضه من قيم، معتبرًا إياها انحرافًا يجب اعتزاله. هنا بدأت تتشكل لديه مشاعر الرفض العميق وقناعات متطرفة تحولت لاحقًا إلى عداء منهجي ضد كل ما يمثل الدولة المدنية وقيمها.

لقد رأى في جيرانه وأقرانه «أعداءً للفضيلة» من وجهة نظره، فبدأ يبني جدران عزلة نفسية، لتكون هذه الفترة هي البداية الفعلية لعملية التشكيل الذاتي لأيديولوجيته المتطرفة، كرد فعل على مجتمعه الجديد.

بينما كان محمود عزت يغرق في ظلام أفكاره، كانت مصر تعيش أزهى عصور المد القومي الناصري. في عام 1960، كان اسم جمال عبد الناصر يتردد في عواصم العالم، وكانت القاهرة هي بوصلة السياسة الدولية وقبلة الثوار من كل قارات الأرض. في يناير من ذلك العام، وضع ناصر حجر الأساس للسد العالي، المشروع القومي الذي لم يكن مجرد بناء خرساني، بل كان عنوانًا لكرامة المصريين وقدرتهم على تحدي المستحيل. وشهد عزت بعينيه المراهقتين احتفالات المصريين بهذا الإنجاز، وشاهد في مايو من العام نفسه قرار تأميم الصحافة الذي وضع الكلمة في خدمة المشروع الوطني.

لكن الغريب أن هذا الصعود المبهر لم يزد عزت إلا حنقًا. فبينما كان المصريون يهتفون «يا ناصر يا حبيب الشعب»، كان عزت يجلس في غرفته يقتات على بيانات الجماعة السرية التي تصف ناصر بـ «الطاغية». لقد رأى في المصانع التي تفتح أبوابها وفي الوحدة مع سوريا مجرد أدوات لتعزيز سلطة الرجل الذي قمع جماعته، متجاهلاً تمامًا أن هذه الإنجازات كانت ترفع اسم مصر في عنان السماء. هذا التناقض الصارخ رسم ملامح شخصيته المتطرفة التي لا ترى في الوطن إلا مجرد «كيان» إذا لم يكن تحت حكم تنظيمها.

«محنة الجماعة الكبرى» وتأثيرها على فكر عزت

في عام 1960، كانت جماعة الإخوان المسلمين تعيش ما عُرف بـ «المحنة الكبرى»، حيث كانت تحت وطأة حظر قانوني صارم وملاحقة أمنية بدأت منذ محاولة اغتيال ناصر في حادثة المنشية. كان قادة الصف الأول خلف القضبان، والتنظيم يعاني من شلل شبه تام. في هذا المناخ من «الكمون الإجباري»، كان محمود عزت يراقب المشهد بذكاء. رأى انكسار كبار الجماعة، وبدلاً من أن يتعظ، قرر أن يكون هو «المرمم» لهذا الهيكل المنهار، ولكن بأسلوب أكثر سرية وأشد فتكًا.

سيد قطب وتشكيل عقيدة «التكفير»

داخل السجون في ذلك الوقت، كان سيد قطب يكتب «معالم في الطريق»، وهي الأفكار التي تلقفها عزت بشغف المراهق المتمرد. وجد في تكفير المجتمع وتكفير الحاكم مبررًا شرعيًا لرفضه لمجتمع مصر الجديدة ولحلمه بهدم الدولة الناصرية. كانت الجماعة في نظره في ذلك العام ليست مجرد تنظيم سياسي، بل «تنظيم مؤمن» في مواجهة مجتمع «كافر» من وجهة نظره، ومن هنا بدأ يخطط لدوره القادم؛ الدور الذي لا يعتمد على الصدام المباشر كما فعل قادة المنشية، بل يعتمد على «التغلغل الهادئ» و«الصبر الاستراتيجي».

إرث «رأس الأفعى»: نهاية مسار العنف والخيانة

لقد شكل عام 1960 العمود الفقري لشخصية محمود عزت الإجرامية. فبينما كانت الدولة تخوض معارك عدم الانحياز وتبني صروح الصناعة، كان هو يغرس في أعماق جهازه التنظيمي بذور العداء المنهجي. تعلم في هذا العام كيف يختبئ، وكيف يلبس قناع «المواطن العادي» بينما قلبه ينبض بالولاء للمرشد فقط. إن تلك المراهقة المنعزلة هي التي أنتجت لنا لاحقًا الرجل الذي لم يهتز له جفن وهو يأمر بتفجير مديريات الأمن واغتيال النائب العام.

إن حكاية محمود عزت في الستينيات هي حكاية الصدام بين «مشروع بناء دولة» وبين «مشروع هدم وطن». رحل ناصر وبقي السد العالي شاهدًا على الإخلاص، وسقط محمود عزت في قبضة العدالة وبقيت ذكراه مقرونة بالدم والخيانة. لقد أثبتت الأيام أن «رأس الأفعى» التي بدأت تنمو في عام 1960 تحت غطاء المراهقة والاغتراب، لم تكن سوى أداة في يد قوى الظلام، وأن الدولة التي حقد عليها عزت الشاب هي نفس الدولة التي أسقطته شيخًا في قبضتها، ليعلم العالم أن الحق دائم والباطل كان زهوقًا.

# محمود عزت # الإخوان المسلمون # رأس الأفعى # جماعة إرهابية # 1960 # سيد قطب # مصر الناصرية # تاريخ الإرهاب # مرشد الإخوان
اقرأ هذا الخبر