الولايات المتحدة - وكالة أنباء إخباري
مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي: عالم قذر ومفارقاته الخطيرة
في سباق محموم لتمكين الذكاء الاصطناعي، تُعاد صياغة المشهد المادي لكوكبنا بوتيرة غير مسبوقة، مما يثير تساؤلات جدية حول التكاليف البيئية والبشرية لهذا التقدم التكنولوجي. في جنوب غرب ممفيس، يقف مشروع صناعي عملاق شاهداً على هذا التحول، حيث يختبر السكان المحليون بالفعل تداعياته المباشرة على جودة الهواء وصحتهم.
خلال جولة في المنطقة، أشار كيشان بيرسون، مدير منظمة "مجتمع ممفيس ضد التلوث" غير الربحية، إلى أن "الوجهة تُستطعم لا تُرى". على طول الطريق، كانت الرائحة النفاذة للسخام والبنزين والأسفلت تملأ الأجواء، مصحوبة بإحساس وخز في الأنف والحنجرة. خلف غابة من أبراج الكهرباء، يقع "كولوسس"، وهو مركز بيانات عملاق يشغل مساحة تتجاوز اثني عشر ملعب كرة قدم، حيث تخطط شركة xAI التابعة لإيلون ماسك لتدريب نموذجها المتقدم للذكاء الاصطناعي التوليدي، "جروك".
اقرأ أيضاً
- كارثة بحيرة كاريبا: ارتفاع حصيلة ضحايا غرق القارب في زيمبابوي إلى 68 قتيلاً
- صعق كهربائي يودي بحياة مراهق أيرلندي في اليونان ويثير دعوات لتعزيز السلامة
- الشرطة المغربية توقف 111 مهاجراً في محاولة عبور جماعي نحو سبتة
- آلاف المعجبين يودعون الأيقونة بوني تايلور في مسقط رأسها بويلز
- وفاة جيسون آردي: صدمة وجدل يحيطان برحيل الأستاذ السابق بجامعة كامبريدج
يتطلب تدريب هذه النماذج كميات هائلة من الطاقة. فإذا عمل "كولوسس" بكامل طاقته لمدة عام، فإنه سيستهلك كهرباء تعادل استهلاك 200 ألف منزل أمريكي. وقد ذكر ماسك على منصة X أن هذا المرفق، بالإضافة إلى مركزين آخرين لـ xAI بالقرب منه، سيتطلبان ما يقرب من 2 جيجاوات من الطاقة، مما يعني استهلاكًا سنويًا للكهرباء يعادل ضعف استهلاك مدينة سياتل تقريبًا. لتسريع تشغيل "كولوسس"، قامت xAI ببناء محطة طاقة خاصة بها، مزودة بـ 35 توربينًا للغاز الطبيعي، وهي محركات بحجم عربات السكك الحديدية يمكن أن تكون مصادر رئيسية للضباب الدخاني، وفقًا لصور حصل عليها المركز القانوني البيئي الجنوبي. هذه التطورات تثير قلق النشطاء البيئيين والسكان المحليين، الذين يواجهون بالفعل تدهورًا في جودة الهواء.
لا يقتصر الأمر على xAI؛ فجميع منافسيها يبنون مراكز بيانات كبيرة بالمثل لتطوير نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدية الأكثر قوة. تتطلب هذه المنشآت، التي قد تشغل بضع كتل سكنية، كميات هائلة من الكهرباء توازي احتياجات مدينة بأكملها. لقد أصبحت برامج الدردشة الآلية "أذكى" ليس من خلال شفرات أكثر تعقيدًا، بل من خلال زيادة حجمها: ضخ المزيد من البيانات عبر شرائح كمبيوتر أقوى تستهلك المزيد من الكهرباء. أعلنت OpenAI عن خطط لمنشآت تتطلب أكثر من 30 جيجاوات من الطاقة، وهو ما يتجاوز أكبر طلب مسجل للطاقة في نيو إنجلاند بأكملها.
منذ إطلاق ChatGPT في نوفمبر 2022، تجاوزت النفقات الرأسمالية لشركات مثل أمازون ومايكروسوفت وميتا وجوجل 600 مليار دولار، وقد خصص جزء كبير من هذا الإنفاق لمراكز البيانات. يرى جيسي جينكينز، باحث نمذجة المناخ في برينستون، أن هذه المنشآت هي "أكبر نقاط استهلاك فردية للكهرباء في التاريخ". تشير التحليلات المحافظة إلى أن قطاع التكنولوجيا سيضيف ما يعادل 40 سياتل إلى شبكة الكهرباء الأمريكية في غضون عقد من الزمن، بينما تتوقع السيناريوهات الأكثر تفاؤلاً أكثر من 60 في نصف هذه المدة. بحلول عام 2030، يتوقع سيدهارث سينغ، محلل استثمار الطاقة في وكالة الطاقة الدولية، أن تستهلك مراكز البيانات الأمريكية كهرباء أكثر من جميع الصناعات الثقيلة في البلاد مجتمعة. سيأتي حوالي نصف هذا الطلب من مراكز البيانات المجهزة خصيصًا لاحتياجات الذكاء الاصطناعي التوليدي.
لتوفير الطاقة اللازمة للذكاء الاصطناعي، تتجه شركات الطاقة والتكنولوجيا نحو الوقود الأحفوري، الذي تعتبره أكثر موثوقية وتوفرًا من طاقات الرياح أو الشمس أو النووية. وقد صرح سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لـ OpenAI، مرارًا وتكرارًا بأن "على المدى القصير: الغاز الطبيعي" هو الحل. تخطط إحدى شركات المرافق في لويزيانا لبناء ثلاث محطات للغاز الطبيعي لمركز بيانات ميتا الذي سيكون عند اكتماله من بين الأكبر في نصف الكرة الغربي. كما يتم تمديد عمر محطات الفحم لتشغيل مراكز البيانات الجديدة. وتقدّر وكالة الطاقة الدولية أن انبعاثات مراكز البيانات يمكن أن تتضاعف بحلول عام 2030، لتصبح أحد أسرع مصادر غازات الاحتباس الحراري نموًا في العالم.
قد يجادل المتفائلون بأن المفاعلات النووية المتقدمة ستلغي العديد من محطات الوقود الأحفوري الجديدة، وأن أدوات الذكاء الاصطناعي ستخترع تقنيات يمكنها حل أزمة المناخ. لكن في الوقت الحالي، "تلاقى السوق على إضافة الغاز الآن، ثم إضافة الطاقة النووية لاحقًا"، كما يقول جينكينز. بعبارة أخرى، إذا كانت توربينات الغاز الطبيعي توفر المسار الأسرع نحو مستقبل يعززه الذكاء الاصطناعي، فإن الهواء النظيف قد يضطر للانتظار.
إن مركز البيانات هو عالم من التناقضات: حرارة بلا حركة، مأوى بلا أجساد، ضوء بلا سماء. يصف جون لين، الرئيس التنفيذي للأعمال في Equinix، إحدى أكبر شركات مراكز البيانات في العالم، هذه المواقع بأنها "شريان الحياة للإنترنت". في منشأة Equinix في مقاطعة لودون بولاية فيرجينيا، حيث توجد أعلى تركيز لمراكز البيانات في العالم، تعمل آلاف الخوادم في صمت نسبي، تُبرّد بواسطة مراوح صناعية وأبراج تبريد ضخمة. تتطلب مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي التوليدي تبريدًا أكثر كثافة، حيث تستخدم عشرات أضعاف الكهرباء وتستهلك كميات هائلة من المياه. على سبيل المثال، استخدم مركز "كولوسس" في ممفيس أكثر من 11 مليون جالون من المياه في سبتمبر وحده، وهو ما يعادل استهلاك 150 منزلًا في عام كامل. في بعض الأحيان، يمكن أن يؤدي ارتفاع الحرارة والرطوبة إلى ظاهرة نادرة: أمطار داخلية.
تُظهر مقاطعة لودون، التي تضم 199 مركز بيانات قيد التشغيل و30 آخرين قيد الإنشاء، ما قد يجلبه اندفاع الذكاء الاصطناعي لبقية الأمة. فمع نفاد المساحة في لودون، تظهر مراكز بيانات جديدة في فينيكس وأتلانتا ودالاس. وتبني أمازون وميتا مراكز بيانات للذكاء الاصطناعي في إنديانا، مما يشير إلى أن هذا التوسع الصناعي سيستمر في الانتشار، حاملاً معه تحديات بيئية واجتماعية تتطلب دراسة متأنية وحلولاً مستدامة.