الأربعاء، ٧ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ / 19 أغسطس 2026 م 06:59 ص بتوقيت القاهرة
إعدادات الصفحة
الوضع الداكن
الصلاة القادمة --:--:--
--° القاهرة

مستقبل الوساطة السودانية في مهب الريح: رفض الأطراف يهدد الحل الرباعي

استمع للخبر الشرق الأوسط عبد الفتاح يوسف 2026-02-13 19:37 12
مستقبل الوساطة السودانية في مهب الريح: رفض الأطراف يهدد الحل الرباعي

القاهرة - وكالة أنباء إخباري

في تطور يعكس عمق التباينات السياسية ومصالح القوى الإقليمية والدولية المتشابكة في الأزمة السودانية، تتضاءل آمال التوصل إلى حل سلمي مستدام في ظل رفض الأطراف المتحاربة في السودان لجهات وساطة محورية ضمن الإطار الرباعي المقترح. فقد أعلن تحالف "تأسيس"، الذي يمثل مظلة سياسية داعمة لقوات الدعم السريع، رفضه القاطع لأي دور مصري في الوساطة الرامية لوقف الحرب المستعرة منذ منتصف أبريل 2023. وفي المقابل، يتمسك الجيش السوداني، بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، بموقفه الرافض لوجود دولة الإمارات العربية المتحدة ضمن أي صيغة وساطة دولية أو إقليمية. هذا الرفض المتبادل يطرح تساؤلاً جوهرياً حول قدرة الإطار الرباعي الدولي على الاستمرار كآلية فعالة لحل النزاع، في ظل غياب الحد الأدنى من القبول والثقة بين الأطراف المتحاربة والوسطاء المفترضين.

رفض الوسطاء: أبعاد ودلالات

إن رفض تحالف "تأسيس" لوجود مصر في أي وساطة رباعية ليس مجرد موقف عابر، بل هو يعكس قناعة راسخة لدى قيادة قوات الدعم السريع بوجود انحياز مصري تاريخي ومعلن تجاه الجيش السوداني. لطالما حافظت مصر والسودان على علاقات وثيقة ومصالح استراتيجية مشتركة، لا سيما فيما يتعلق بأمن الحدود وحوض النيل. وقد تجلت هذه العلاقة في العديد من المناورات العسكرية المشتركة والتعاون الأمني، مما أثار شكوك قوات الدعم السريع حول قدرة القاهرة على الاضطلاع بدور الوسيط المحايد. يرى تحالف "تأسيس" أن أي وساطة مصرية ستصب في مصلحة الجيش، مما يقوض مبدأ الحياد الضروري لنجاح أي عملية سلام. هذا الموقف يعكس أيضاً رغبة الدعم السريع وحلفائه في إبعاد اللاعبين الذين قد يرونهم يميلون لصالح خصومهم، سعياً لتشكيل بيئة وساطة أكثر ملاءمة لمصالحهم.

على الجانب الآخر، يأتي رفض الجيش السوداني القاطع لدور الإمارات في الوساطة، مدفوعاً باتهامات صريحة ومستمرة لأبوظبي بدعم قوات الدعم السريع لوجستياً وعسكرياً. لم تقتصر هذه الاتهامات على التصريحات الإعلامية، بل تجاوزتها إلى شكاوى رسمية قدمتها الحكومة السودانية، ممثلة بالجيش، إلى مجلس الأمن الدولي، متهمة الإمارات بتغذية الصراع. تنظر القيادة العسكرية السودانية إلى الإمارات كطرف ليس محايداً، بل كلاعب يسعى إلى تحقيق مكاسب جيوسياسية على حساب استقرار السودان وتماسك جيشه. هذا الموقف يرسخ الشقاق ويزيد من تعقيدات المشهد الدبلوماسي، حيث يصبح من الصعب جداً تصور إطار وساطة يضم طرفاً تتهمه أحد الأطراف المتحاربة علناً بالانحياز لخصمه وتزويده بالدعم العسكري. هذه المواقف تؤكد أن أي وساطة يجب أن تستند إلى أساس قوي من الثقة والمصداقية، وهو ما تفتقر إليه هذه التوليفة الراهنة.

الإطار الرباعي: جدوى أم مأزق؟

إن الإطار الرباعي الدولي المقترح، والذي غالباً ما يشمل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والمملكة العربية السعودية، بالإضافة إلى قوة إقليمية (سواء مصر أو الإمارات)، كان يهدف إلى تجميع ثقل دولي وإقليمي لدفع الأطراف السودانية نحو طاولة المفاوضات. إلا أن الرفض المتبادل للوسطاء الرئيسيين يضع هذا الإطار في مأزق حقيقي. فكيف يمكن أن تنجح وساطة دولية إذا لم يكن هناك قبول لأركانها من قبل الأطراف المعنية؟ يبدو أن محاولات تشكيل هذا الإطار قد اصطدمت بالواقع السياسي المعقد للسودان، حيث تتداخل المصالح المحلية مع الأجندات الإقليمية والدولية.

يعتمد نجاح أي وساطة على ثلاثة عوامل رئيسية: حياد الوسيط، وقدرته على ممارسة الضغط على الأطراف، وقبول الأطراف له. وفي الحالة السودانية، يبدو أن العامل الثالث، وهو قبول الأطراف، قد تعرض لانتكاسة خطيرة. هذا لا يعني بالضرورة فشل فكرة الوساطة الدولية ككل، بل يستدعي إعادة تقييم شاملة لتكوين هذا الإطار ومقاربته. قد يتطلب الأمر البحث عن وسطاء بديلين يتمتعون بقبول أوسع، أو توسيع الإطار ليشمل قوى أخرى يمكنها تحقيق توازن في الثقل السياسي والدبلوماسي، أو حتى اتباع مسارات متعددة للوساطة لا تعتمد على إطار واحد صلب.

البدائل والتحديات المستقبلية

في ظل التعثر الحالي للإطار الرباعي، قد تبرز الحاجة إلى استكشاف بدائل أو مسارات تكميلية للوساطة. لقد شهدت الأزمة السودانية بالفعل محاولات وساطة متعددة، مثل منبر جدة الذي رعته السعودية والولايات المتحدة، ومبادرات الهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد) والاتحاد الأفريقي، والمبادرة المصرية. كل هذه الجهود واجهت تحدياتها الخاصة، لكن رفض الأطراف لوسطاء محددين يقلل من فرص إنجاح أي جهد شامل ومتكامل.

قد يكون الحل في صياغة إطار أكثر مرونة، يركز على تحقيق أهداف محددة وقصيرة المدى مثل وقف إطلاق النار وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، بدلاً من محاولة القفز مباشرة إلى حل سياسي شامل. كما يمكن دراسة إشراك قوى دولية أو إقليمية أخرى تتمتع بمصداقية أكبر لدى جميع الأطراف، أو حتى تعزيز دور منظمات المجتمع المدني السوداني والقوى المدنية التي لم تكن جزءاً من الصراع المسلح. التحدي الأكبر يكمن في إيجاد صيغة ترضي جميع الأطراف أو تفرض عليهم قبولها تحت ضغط دولي موحد وفعال.

في الختام، يظل السؤال المركزي مطروحاً: هل تبقى الرباعية الدولية، بتكوينها الحالي، هي الإطار الأنسب لحل النزاع في السودان؟ المعطيات الراهنة تشير إلى أن الطريق مسدود. يتطلب الأمر رؤية دبلوماسية جديدة، تتجاوز الجمود الحالي، وتستوعب مخاوف ومطالب الأطراف المتحاربة، بهدف إنقاذ السودان من براثن حرب أهلية مدمرة طال أمدها، وتهدد بتقويض استقرار المنطقة بأسرها.

# السودان # وساطة دولية # الجيش السوداني # الدعم السريع # تحالف تأسيس # مصر # الإمارات # أزمة السودان # حل النزاع # الرباعية الدولية # السلام في السودان # جيوسياسية
اقرأ هذا الخبر