إخباري
الأحد ١٥ فبراير ٢٠٢٦ | الأحد، ٢٨ شعبان ١٤٤٧ هـ
عاجل

مهرجان أوتاوا السينمائي الدولي 2026: 'ملكة القطن' يتصدر العروض ويدشن حواراً ثقافياً عالمياً

مهرجان أوتاوا السينمائي الدولي 2026: 'ملكة القطن' يتصدر العروض ويدشن حواراً ثقافياً عالمياً
Saudi 365
منذ 1 يوم
15

القاهرة - وكالة أنباء إخباري

تتجه أنظار عشاق الفن السابع والنقاد إلى العاصمة الكندية أوتاوا، حيث يستضيف مهرجان أوتاوا السينمائي الدولي (IFFO) فعالياته المرتقبة بين 11 و22 مارس/آذار 2026. المهرجان، الذي ينظمه 'المعهد الكندي للسينما' (Canadian Film Institute)، يعد بتجربة سينمائية فريدة تجمع بين العمق الفني والتنوع الثقافي، مقدماً 22 فيلماً طويلاً اختيرت بعناية فائقة لتشكل فسيفساء بصرية تعكس قضايا وإبداعات من مختلف أنحاء العالم.

'ملكة القطن': صوت سوداني يعانق العالمية من أوتاوا

في قلب هذا التجمع السينمائي، يبرز الفيلم السوداني 'ملكة القطن' (Cotton Queen) للمخرجة الموهوبة سوزان ميرغني كأحد أهم العروض المنتظرة. يقدم هذا العمل دراما إنسانية مؤثرة تدور أحداثها في قرية سودانية تعيش في كنف مزارع القطن، حيث تكافح فتاة شابة لتجد ذاتها وصوتها الخاص في مواجهة تقاليد عائلية واجتماعية صارمة يفرضها نمط الحياة القائم على زراعة القطن. الفيلم، الذي استحق مكانه البارز في مهرجان أوتاوا بعد تحقيقه إنجازاً دولياً لافتاً بفوزه بجائزة أفضل فيلم في مسابقة 'أسبوع النقاد' الدولية، يمثل إضافة قوية للسينما الأفريقية المعاصرة التي تمزج بين الواقعية السحرية والقضايا الاجتماعية الملحة، ويسلط الضوء على تحديات المرأة في بيئات محافظة.

افتتاح متأمل وبرنامج غني بالرؤى

يفتتح المهرجان فعالياته في 'معرض أوتاوا للفنون' بفيلم 'وماذا الآن؟' (Et Maintenant) للمخرج الروماني كريستي بويو. هذا العمل تأملي رفيع المستوى، يرصد ببراعة تفاصيل حياة عائلة عبر حوارات طويلة ومشاهد مكثفة تفتح تساؤلات وجودية عميقة حول الزمن والذاكرة. الفيلم، الذي نال إشادة عالمية لقدرته على تقديم لغة سينمائية تتجاوز السرد التقليدي، يمهد الطريق لبرنامج غني ومتنوع يهدف إلى إطلاع جمهور العاصمة الكندية على أحدث وأبرز الإنتاجات السينمائية العالمية.

نافذة على الثقافات: قصص من آسيا وأوروبا

تتسع خارطة عروض المهرجان لتشمل أعمالاً بارزة من قارات مختلفة. من كوريا الجنوبية، يقدم فيلم 'الصديق الصامت' (Silent Friend) للمخرجة إيدواري يانغ سرداً فلسفياً يرصد أثر شجرة قديمة في حديقة نباتية بمدينة هايدلبرغ الألمانية عبر ثلاث حقب زمنية متباعدة (1908، 1972، والحاضر)، مستعرضاً تقاطع أرواح البشر مع الطبيعة الصامتة في رحلة حول الاستمرارية والفناء. كما يحضر الفيلم السلوفيني 'فتيات المشاكل الصغيرات' (Little Trouble Girls) للمخرجة أورشكا جوريتش، والذي يتناول دراما نفسية عميقة تصور مرحلة المراهقة لفتيات يسعين لاكتشاف ذواتهن وأجسادهن في بيئة دينية محافظة، وقد حاز الفيلم على جائزة 'الرؤية الخاصة' في مهرجان سراييفو السينمائي لصدقه الفني وجرأة طرحه.

وعلى الصعيد الأوروبي أيضاً، يعرض الفيلم البولندي 'ثوران' (Eruption) للمخرجة سيلويا روساك، الذي يستخدم استعارة البركان لتمثيل المشاعر العائلية المكتومة التي توشك على الانفجار في لحظة مواجهة قاسية بين الأجيال، وقد حصل على جوائز متعددة في مهرجانات السينما الأوروبية الشرقية. إضافة إلى ذلك، يقدم المهرجان فيلم 'عيون غانا' (The Eyes of Ghana)، وهو وثائقي إبداعي يستعرض التحولات الاجتماعية والجمالية في غرب أفريقيا من خلال عيون فنانيها، مما يضيف بعداً أنثروبولوجياً غنياً لبرمجة المهرجان.

صون التراث وإبراز القصص العريقة

يولي المهرجان اهتماماً خاصاً للتراث السينمائي والقصص ذات الجذور العميقة. في هذا السياق، يبرز فيلم 'نهر ناكدونغ' (Nakdong River)، وهي كلاسيكية كورية مرممة تعود لعام 1952، توثق مأساة الحرب الكورية والحياة على ضفاف النهر، ويعد عرضه احتفاءً بالجهود الدولية لترميم التراث السينمائي المفقود. كما يعرض فيلم 'بركة السمك القديمة' (The Old Fish Pond)، وهو فيلم صيني يتناول العلاقة بين التحديث العمراني والذكريات الريفية، محققاً توازناً بصرياً مذهلاً بين هدوء الطبيعة وضجيج الآلات. ويكمل هذا التوجه فيلم 'صيادو النسور' (The Eagle Hunters) الذي يوثق تقاليد منغولية ضاربة في القدم، مقدماً تجربة بصرية تأخذ المشاهد إلى أقاصي الأرض وتوسع مدارك الجمهور الثقافية.

تكريم قامات السينما المستقلة: مادين وهارتلي

لا يكتفي المهرجان بتقديم الأعمال الحديثة، بل يستضيف قامات سينمائية تركت بصمة لا تُمحى في تاريخ السينما المستقلة. يحضر المخرج الكندي الأيقوني غاي مادين (Guy Maddin) لعرض نسخة مرممة بتقنية 4K لفيلمه الكلاسيكي 'حذر' (Careful)، وهو عمل سريالي فريد يحاكي تقنيات السينما الصامتة والتعبيرية الألمانية، وتدور أحداثه في قرية جبلية يسكنها الهوس والخوف من الانهيارات الثلجية إذا ما ارتفعت الأصوات فوق الهمس. ويبرر اختيار مادين بكونه 'الشاعر البصري' للأمة الكندية وقدرته الدائمة على ابتكار عوالم خيالية مذهلة بميزانيات محدودة. كما يحل المخرج الأمريكي الشهير هال هارتلي (Hal Hartley) ضيف شرف، حيث يشارك بفيلمه الجديد 'أين تهبط' (Where to Land)، الذي يتناول قصة مخرج مسرحي ومصمم رقصات يواجه أزمة منتصف العمر والبحث عن معنى فني جديد في عالم متسارع. وتمثل مشاركة هارتلي، أحد أعمدة السينما الأمريكية المستقلة في التسعينيات، فرصة نادرة لصناع الأفلام في أوتاوا للتعلم من تجربته في الحفاظ على استقلالية الرؤية الفنية بعيداً عن هيمنة هوليوود.

منصات للحوار وصون للتراث: أبعاد مهنية وثقافية

يخصص المهرجان مساحة واسعة للجانب المهني والتراثي من خلال فعاليات نوعية. تتضمن 'قمة الشاشة' (Screen Summit)، وهي منصة تجمع المنتجين والمخرجين والموزعين لمناقشة تحديات الصناعة في كندا وتوفير فرص التشبيك للمواهب الصاعدة. كما تقام ندوة 'حفظ باسم' (SAVE AS) المعنية بترميم التراث السينمائي العالمي، والتي تبحث في كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة لإنقاذ الأفلام القديمة من التلف، وهو نشاط يعكس دور أوتاوا كمركز وطني للأرشيف والمعلومات.

فلسفة المهرجان وتجربة أوتاوا الفريدة

تأسس مهرجان أوتاوا السينمائي الدولي في عام 2020 تحت مظلة 'المعهد الكندي للسينما' (CFI)، وهي منظمة غير ربحية تأسست عام 1935، مما يمنح المهرجان خلفية تاريخية وثقافية عريقة. الهدف الأساسي من إنشائه كان سد الفجوة السينمائية في العاصمة التي كانت تفتقر لمهرجان دولي شامل يضاهي مهرجانات تورونتو ومونتريال. وعلى عكس المهرجانات التنافسية التقليدية، لا يمنح المهرجان جوائز رسمية بأسلوب 'المسابقات'، بل يركز أساساً على 'التنسيق الفني' (Curation) واختيار أفضل ما قدمته السينما العالمية في العام السابق وتقديمه للجمهور المحلي. تكمن فلسفة المهرجان في الاحتفاء بالفن السابع بوصفه أداة للتغيير الاجتماعي والحوار الثقافي، مع تخصيص مساحة ثابتة لدعم السينما الكندية الوطنية. ويظهر ذلك جلياً في تقليد المهرجان الذي يقضي بعرض فيلم قصير كندي قبل كل عرض لفيلم طويل، مما يتيح للمخرجين الشباب فرصة عرض أعمالهم بجانب أسماء عالمية كبيرة. كما يشارك في هذه النسخة فيلم 'أصوات الثلج' (Snow Voices)، وهو عمل كندي تجريبي يستكشف الصمت والشتاء في الشمال الكبير، مما يعزز الهوية الثقافية للمهرجان بوصفه حدثاً ينتمي لبيئته الجغرافية.

صناعة الأفلام في قلب العاصمة الكندية

تتوزع عروض المهرجان في قلب مدينة أوتاوا، بين سينما 'باي تاون' (ByTowne) التاريخية وسينما 'ميفير' (Mayfair) التي تعد من المعالم التراثية في المدينة، بالإضافة إلى قاعات 'معرض أوتاوا للفنون'. ويختتم المهرجان فعالياته في 22 مارس/آذار بعرض ختامي مميز يجمع بين الضيوف والجمهور في نقاش مفتوح حول مستقبل السينما في عصر المنصات الرقمية، مؤكداً أن التجربة الجماعية لمشاهدة الفيلم على الشاشة الكبيرة ستظل هي القلب النابض للفن السابع.

بين حكايات القرى السودانية، وغابات كوريا القديمة، وجبال كندية سريالية، يثبت مهرجان أوتاوا السينمائي الدولي 2026 أنه أكثر من مجرد حدث سينمائي؛ إنه جسر يربط العاصمة الكندية بروح العالم، ومنصة تعيد الاعتبار للسينما بوصفها مرآة تعكس أحلام البشر ومخاوفهم وتطلعاتهم، مهما اختلفت لغاتهم وثقافاتهم.

الكلمات الدلالية: # مهرجان أوتاوا السينمائي 2026 # ملكة القطن # سينما أفريقية # غاي مادين # هال هارتلي # ترميم الأفلام # المعهد الكندي للسينما # أفلام عالمية # أوتاوا