القاهرة - وكالة أنباء إخباري
ميتا تكسر احتكار إنفيديا بصفقة تاريخية مع AMD
في قلب وادي السيليكون، حيث تُعد القدرة الحاسوبية مفتاح المستقبل، تبرز قاعدة صارمة مفادها أن من يملك هذه القدرة يملك زمام الأمور. لسنوات طويلة، احتكرت شركة واحدة، وهي إنفيديا، مفاتيح هذه القوة، فبنت إمبراطورية سيليكونية ضخمة أجبرت عمالقة التقنية على الانصياع، والوقوف في طوابير طويلة لدفع مليارات الدولارات للحصول على معالجاتها التي لا غنى عنها.
لكن مارك زوكربيرج، الرئيس التنفيذي لشركة ميتا، قرر قلب الطاولة. فبعد أيام قليلة من إعلانه عن التزامه بشراء ملايين المعالجات من إنفيديا، وجه ضربة قاصمة لهذه الهيمنة المطلقة. كشف زوكربيرج عن اتفاقية استثمارية تتجاوز قيمتها 100 مليار دولار مع الغريم التقليدي لشركة إنفيديا، وهي شركة AMD. هذا الإعلان يمثل تمردًا صريحًا يمزق فكرة الاعتماد المطلق على مورد واحد، ويشعل حربًا شرسة في سوق السيليكون.
اقرأ أيضاً
- تحديات غير متوقعة: لماذا تتعثر محاولات الولايات المتحدة لإعادة تشغيل محطات الطاقة النووية؟
- البطل غير المتوقع الذي واجه الحكومة الهندية: قصة أبهيجيت ديبكي
- هدوء حذر يعم الصراع الأمريكي الإيراني لليوم الثاني على التوالي
- حرائق بوردو: ألسنة اللهب تتقدم والآلاف يواجهون مصير منازلهم المجهول
- بحر الصين الجنوبي: استمرار البحث عن 15 بحاراً بعد غرق سفينة شحن في مياه متنازع عليها
شراكة استراتيجية بقوة 100 مليار دولار
رسالة ميتا واضحة وقاسية: رفض البقاء تحت رحمة شركة واحدة في سوق مسرعات الذكاء الاصطناعي. تقضي الاتفاقية الجديدة بتوريد ما يصل إلى 6 جيجاوات من معالجات AMD Instinct، ليتم نشرها داخل مراكز بيانات ميتا الضخمة. يُنظر إلى نظام AMD Helios الجديد على أنه التهديد الفعلي الأول لأنظمة Grace Blackwell التي تنتجها إنفيديا، والتي شهدت طلبًا جنونيًا منذ إطلاقها. هذه الاستراتيجية المزدوجة تهدف إلى حماية ميتا من تقلبات السوق وضمان استمرار تدفق العتاد اللازم لتدريب نماذجها اللغوية الضخمة.
الصفقة، التي تغطي سنوات طويلة، تعتمد في مرحلتها الأولى على معالجات رسومية مخصصة مبنية على معمارية MI450، مدعومة بمعالجات الجيل السادس من AMD EPYC المعروفة باسم "Venice" و"Verano". من المتوقع أن يبدأ التسليم الفعلي لأول جيجاوات في النصف الثاني من عام 2026. لكن العبقرية الحقيقية في هذه الشراكة لا تكمن فقط في المواصفات الهندسية، بل تمتد إلى الهندسة المالية المعقدة. ميتا لم تشترِ العتاد بالمال المباشر فحسب، بل ربطت مصير الشركة المصنعة بنجاحها الشخصي. يتضمن الاتفاق منح ميتا ضمانات أداء تسمح لها بالاستحواذ على 160 مليون سهم من أسهم AMD، أي ما يقرب من 10% من إجمالي أسهم الشركة. هذه الحصة سيتم تحريرها تدريجيًا بناءً على التزام AMD بتحقيق أهداف إنتاجية صارمة، مما يحول ميتا إلى شريك استراتيجي مستفيد من أي ارتفاع في قيمة السهم.
تحديات الطاقة والبنية التحتية
استيعاب حجم الطاقة المطلوب لهذه الصفقة يوضح حجم الطموح. توفير 6 جيجاوات من الطاقة الكهربائية لتشغيل هذه المعالجات يتطلب بنية تحتية توازي استهلاك مدن سكنية كاملة. مراكز البيانات لم تعد مجرد مستودعات للخوادم، بل تحولت إلى منشآت طاقة هائلة تتطلب تخطيطًا بالغ التعقيد لإدارة الحرارة والاستهلاك اليومي. الدافع وراء هذا الإنفاق المخيف هو سعي زوكربيرج للوصول إلى "الذكاء الخارق الشخصي"، حيث يتطلب تدريب النماذج المستقبلية قوة حاسوبية تتجاوز كل ما تم بناؤه في تاريخ البشرية.
حرب متعددة الجبهات
لا تقتصر استراتيجية ميتا على التحالف مع AMD، بل تلعب على عدة جبهات في وقت واحد. بالتوازي مع الاعتماد على AMD، تسارع ميتا من تطوير برنامجها الداخلي للشرائح المعروف باسم MTIA لإنتاج معالجاتها الخاصة. هذا التنوع يحمي الشركة من صدمات سلاسل التوريد ويمنع أي مورد خارجي من فرض إملاءات تسعيرية قاسية.
تأتي خطوة ميتا في سياق عام تشهد فيه الأسواق العالمية حمى استثمارية غير منطقية لابتلاع أي عتاد متاح. شركة OpenAI وقعت اتفاقية مشابهة مع AMD، وتتعاون مع Broadcom لتطوير معالجاتها الخاصة. مايكروسوفت أبرمت صفقة بقيمة 17.4 مليار دولار مع مجموعة Nebius، وأمازون ضخت 4 مليارات دولار في شركة Anthropic. حتى تسلا دخلت المشهد بعقد بقيمة 16.5 مليار دولار مع سامسونج لتصنيع شريحة AI6. إنتل، التي تعاني من أزمات، حصلت على ضخ رأسمالي بقيمة ملياري دولار من SoftBank. هذه الأرقام تؤكد وجود اختناق حاد في المعالجات، والشركات مستعدة لدفع أي ثمن لتجاوز هذه الأزمة.
إنفيديا ترد: معركة على كل الجبهات
إنفيديا لن تقف مكتوفة الأيدي. تدرك الشركة أن سيطرتها المطلقة على معالجات الخوادم تواجه تهديدًا حقيقيًا. وعليه، قررت نقل المعركة إلى معقل AMD وإنتل التاريخي. يعمل مهندسو إنفيديا حاليًا على تطوير شريحة مدمجة (SoC) تعتمد على معمارية ARM، مخصصة لأجهزة الحواسيب الشخصية العاملة بنظام ويندوز. تستهدف هذه الشريحة، المعتمدة على معالج GB10، محطات عمل المطورين، مع خطط لتطوير نسخة مخففة وموفرة للطاقة للحواسيب المحمولة التجارية. يمثل تخفيض استهلاك الطاقة التحدي الهندسي الأكبر لإنفيديا في اختراق سوق الحواسيب الشخصية، حيث تستهلك شريحة GB10 الحالية 140 وات، وهو ما يفوق الميزانية الحرارية المسموح بها في الحواسيب المحمولة الرائدة. دخول إنفيديا إلى سوق ويندوز يهدد بقاء كوالكوم وإنتل ويفتح جبهة صراع جديدة.
تمر صناعة التقنية بمرحلة إعادة تموضع عنيفة. الهيمنة المطلقة لإنفيديا تتآكل تدريجيًا مع تحرك الشركات لتنويع مصادر عتادهم وتطوير شرائحهم الخاصة. صفقة ميتا مع AMD، بقيمة 100 مليار دولار، تمثل بوليصة تأمين استراتيجية تضمن بقاء الشركة في قمة الهرم التقني. المعركة انتقلت فعليًا من ابتكار الخوارزميات إلى فرض السيطرة الشاملة على مصادر السيليكون ومحطات الطاقة الكهربائية اللازمة لتشغيله.