إعدادات الصفحة
الوضع الداكن
35° القاهرة

وهم سعي اليوان الصيني لملء فراغ الدولار: تحليل معمق

خبراء يشككون في قدرة العملة الصينية على منافسة الدولار الأمر
استمع للخبر عبد الفتاح يوسف 2026-02-15 19:52 6
وهم سعي اليوان الصيني لملء فراغ الدولار: تحليل معمق

الشرق الأوسط - وكالة أنباء إخباري

وهم سعي اليوان الصيني لملء فراغ الدولار: تحليل معمق

تتردد في الأوساط الاقتصادية والمالية العالمية فكرة مفادها أن العملة الصينية، الرنمينبي (اليوان)، مرشحة بقوة لملء أي فراغ قد ينشأ عن تراجع هيمنة الدولار الأمريكي على النظام المالي العالمي. ومع ذلك، يرى العديد من الخبراء أن هذه الرؤية تفتقر إلى الواقعية وتعتمد على افتراضات غير دقيقة حول طبيعة العملات الاحتياطية العالمية وديناميكيات الأسواق المالية.

في مقال رأي نُشر مؤخرًا في صحيفة "لوموند" الفرنسية، طرح الأستاذ في مجال التمويل، نزار عتريسي، تساؤلات جوهرية حول هذه الفرضية، مؤكدًا أن مجرد امتلاك قوة اقتصادية كبيرة لا يكفي لجعل عملة ما عملة عالمية مهيمنة. فالتاريخ يشهد بأن العملات التي استطاعت أن تتبوأ مكانة مرموقة في النظام المالي العالمي لم تكن مجرد انعكاس للقوة الاقتصادية لدولها، بل كانت نتيجة لمجموعة معقدة من العوامل الهيكلية والمؤسسية.

يشير عتريسي، وغيره من المحللين، إلى أن أهم الشروط الواجب توافرها في أي عملة تسعى للعب دور عالمي يتمثل في كونها قابلة للتحويل بحرية تامة. هذا يعني أن المستثمرين والمتداولين يجب أن يكونوا قادرين على شراء وبيع العملة بكميات غير محدودة دون قيود تنظيمية أو ضغوط سياسية. وفي حين شهد الرنمينبي بعض الانفتاح التدريجي، إلا أنه لا يزال يخضع لرقابة صارمة من قبل البنك المركزي الصيني، مما يحد من مرونته واستخدامه على نطاق واسع في المعاملات الدولية.

عامل حاسم آخر هو استقلالية البنك المركزي. لكي تحظى العملة بالثقة الدولية، يجب أن يكون البنك المركزي الذي يصدرها قادرًا على اتخاذ قراراته بناءً على اعتبارات اقتصادية بحتة، مثل مكافحة التضخم والحفاظ على استقرار الأسعار، دون تدخل مباشر من الحكومة أو أي جهة سياسية. هذا الاستقلال يمنح الأسواق والمستثمرين الثقة بأن السياسة النقدية ستكون مسؤولة وتهدف إلى الحفاظ على قيمة العملة على المدى الطويل. وفي الصين، لا يزال بنك الشعب الصيني يعمل ضمن إطار توجيهات الحزب الشيوعي الحاكم، مما يثير تساؤلات حول مدى استقلاليته الحقيقية.

علاوة على ذلك، تلعب سيادة القانون دورًا لا غنى عنه. الدول التي تتمتع بنظام قضائي قوي وشفاف، يحمي حقوق الملكية ويضمن تنفيذ العقود، هي الدول التي تجتذب الاستثمارات الأجنبية وتمنح الثقة للمتعاملين الاقتصاديين. فالاستقرار القانوني والسياسي يوفر بيئة آمنة للمستثمرين، ويقلل من المخاطر المرتبطة بالاستثمار في تلك الدولة وعملتها. بينما حققت الصين تقدمًا كبيرًا في هذا المجال، إلا أنها لا تزال تواجه تحديات تتعلق بسيادة القانون والشفافية، مما قد يمثل عائقًا أمام تبني الرنمينبي كعملة عالمية رئيسية.

إذاً، ما هي العملة التي قد تمتلك مقومات أفضل لتحدي الدولار؟ يطرح عتريسي سؤالًا استنكاريًا: "ولماذا لا يكون اليورو؟" فاليورو، على الرغم من التحديات التي تواجه منطقة اليورو، يتمتع بالعديد من المزايا التي يفتقر إليها الرنمينبي. فهو مدعوم باقتصاديات قوية ومتنوعة، ويتمتع بدرجة عالية من القابلية للتحويل، ويستند إلى نظام قانوني متطور نسبيًا. ومع ذلك، فإن الانقسامات السياسية داخل الاتحاد الأوروبي والسياسة النقدية الموحدة التي قد لا تناسب جميع الدول الأعضاء، تمثل عقبات أمام تعزيز مكانة اليورو.

في الختام، فإن السعي نحو عملة عالمية جديدة هو عملية معقدة تتطلب أكثر من مجرد حجم اقتصادي. إنها تتطلب بناء الثقة، وتوفير بيئة مستقرة وآمنة للمستثمرين، وضمان استقلالية المؤسسات المالية. حتى الآن، لا يزال الدولار الأمريكي يحتفظ بمكانته بفضل هذه العوامل، ورغم التحديات التي يواجهها، فإن الطريق أمام الرنمينبي، أو أي عملة أخرى، لا يزال طويلاً ومليئًا بالعقبات الهيكلية والمؤسسية.

# الدولار الأمريكي، الرنمينبي، اليوان الصيني، العملة الاحتياطية العالمية، النظام المالي العالمي، قابلية التحويل، استقلالية البنك المركزي، سيادة القانون، اليورو، نزار عتريسي، صحيفة لوموند
اقرأ هذا الخبر