الخميس، ٦ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ / 17 سبتمبر 2026 م 02:05 ص بتوقيت القاهرة
إعدادات الصفحة
الوضع الداكن
الصلاة القادمة --:--:--
--° القاهرة

الإمام الباقلاني: قاضي الإسلام الذي أفحم ملك الروم بحجته العقلية الباهرة

استعراض لدور القضاة في الإسلام وقصة أبي بكر الباقلاني، سيف ا
استمع للخبر الشرق الأوسط عبد الفتاح يوسف 2026-03-18 12:36 22
الإمام الباقلاني: قاضي الإسلام الذي أفحم ملك الروم بحجته العقلية الباهرة

لطالما مثّل القضاء في الإسلام ركيزة أساسية للعدالة الاجتماعية، حيث عُرف القضاة على مر العصور بنزاهتهم، وزهدهم، واستقلاليتهم عن السلطة التنفيذية. لقد قاموا بإرساء قواعد الحق والعدل وفق أحكام الشريعة الإسلامية، وكانوا منارات تهتدي بها الأمة في شؤونها القضائية. ومع اتساع رقعة الدولة الإسلامية، تطور النظام القضائي ليشمل قضاة متخصصين لكل مذهب من المذاهب الفقهية الأربعة، بل وعُرف في الأندلس بمنصب "قاضي الجماعة" الذي كان يجمع بين المهام القضائية والدينية والدنيوية، مؤكدًا على المكانة الرفيعة التي حظي بها هؤلاء القضاة.

الإمام الباقلاني: فارس الكلمة وسيف السنة

من بين هؤلاء الأفذاذ، يبرز اسم القاضي الإمام أبي بكر محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر بن القاسم الباقلاني، الذي وُلد في البصرة عام 338 هجريًا. يُعد الباقلاني أحد أبرز علماء أهل السنة والجماعة، وإمامًا من أئمة علم الكلام، تلقى علومه على يد كبار الشيوخ، منهم أبو عبد الله محمد بن أحمد بن مجاهد الطائي، صاحب الإمام أبي الحسن الأشعري. لم يكن الباقلاني مجرد قاضٍ، بل كان مناظرًا فذًا، ترك لقلمه أثرًا بليغًا في دحض شبهات الفاطميين وأهل البدع، مما أكسبه لقب "سيف السنة" عن جدارة.

مناظرة ملك الروم: قصة دهاء ومنطق

اشتهر القاضي الباقلاني ببراعته في الدفاع عن الدين والعقيدة الإسلامية، ولذلك كان عضد الدولة يكثر من إرساله لمناظرة النصارى في عصره. ومن أشهر تلك المناظرات وأكثرها إثارة، هي مناظرته مع ملك الروم. عندما وصل الباقلاني إلى مدينة ملك الروم، بلغ الملك خبر وصوله ومكانته العلمية الرفيعة. أدرك الملك أن الباقلاني لن ينحني له كما يفعل رعاياه، فقرر أن يدبر حيلة لإذلاله. أمر ببناء باب صغير جدًا لمدخل مجلسه، بحيث لا يتمكن الداخل منه إلا إذا انحنى وخفض رأسه وجسده بهيئة الركوع، ظنًا منه أن ذلك سيجبر الباقلاني على الانحناء أمامه وأمام حاشيته.

عندما وصل القاضي الباقلاني إلى مجلس ملك الروم، ورأى الباب الصغير، أدرك على الفور الحيلة الماكرة للملك. وبسرعة بديهة ودون تردد، أدار الباقلاني ظهره للباب الصغير، ودخل منه متراجعًا إلى الخلف وهو يمشي، مستقبلًا ملك الروم بظهره حتى وصل إلى مكان عرشه. ثم رفع رأسه وأدار وجهه نحو الملك ليبدأ الحديث. حينها أدرك ملك الروم أن هذا الرجل داهية لا يستهان به، وأن خطته قد باءت بالفشل.

بعد أن استقر الباقلاني وواجه الملك، لم يقم بإلقاء السلام عليه، امتثالًا لأمر النبي محمد صلى الله عليه وسلم بعدم ابتداء أهل الكتاب بالسلام. بدأ الباقلاني حديثه بسؤال استفزازي لملك الروم قائلًا: "كيف حال أهلكم وأولادكم؟". أثار هذا السؤال غضب الملك، الذي كان راهبًا لا يتزوج ولا ينجب، فأجابه قائلًا: "ألم تعلم بأنا لا نتزوج ولا ننجب الأطفال؟". رد عليه الباقلاني بذكاء بالغ: "الله أكبر! تنزهون أنفسكم عن الزواج والإنجاب، ثم تتهمون ربكم بمريم، ولا تنزهونه عن الولد؟". زاد غضب الملك، وحاول الرد بطريقة غير مهذبة، فذكر حادثة الإفك التي وقعت في المدينة المنورة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم.

لم يتردد الباقلاني في الرد، فأجابه بفصاحة وبلاغة: "أما والله عائشة تزوجت ولم تنجب، وأما مريم فلم تتزوج وأنجبت، فأي الطاهرتين أولى بتهمة الزنا عند الفسقة؟". زاد جنون وغضب ملك الروم من قوة حجة الباقلاني وبلاغته التي أفحمته.

عاود ملك الروم سؤاله للباقلاني، محاولًا إحراجه، قائلًا: "هل كان نبيكم يغزو؟". أجاب الباقلاني: "نعم". فسأله الملك: "فهل كان يقاتل في المقدمة؟". أجاب الباقلاني: "نعم". سأل الملك: "هل كان ينتصر؟". أجاب الباقلاني: "نعم". ثم سأله الملك: "هل كان ينهزم؟". أجاب الباقلاني بثقة: "نعم". فقال ملك الروم متعجبًا: "عجيب! أنبي ويهزم؟". هنا جاءت حجة الباقلاني القاضية التي أسكتت الملك تمامًا، حيث رد عليه بكلمات قليلة ذات وقع عظيم: "أإله ويصلب؟".

إرثٌ خالدٌ لقاضٍ وفارسٍ من فرسان الكلمة

لقد كانت هذه المناظرة مثالًا ساطعًا على قوة الحجة والمنطق في الدفاع عن العقيدة، وعلى دهاء القاضي الباقلاني وفطنته. توفي القاضي الباقلاني في شهر ذي القعدة من عام 403 هجريًا، وشهدت جنازته حضورًا مهيبًا يليق بمكانته. وقد أمر شيخ الحنابلة، أبو الفضل التميمي، مناديًا ينادي بين يدي جنازته قائلًا: "هذا ناصر السنة والدين، والذاب عن الشريعة، هذا الذي صنف سبعين ألف ورقة". وبذلك ترك الإمام الباقلاني إرثًا علميًا وفكريًا خالدًا، يذكرنا بعظمة علماء الإسلام الذين لم يكتفوا بالقضاء، بل كانوا فرسانًا في ميدان الفكر والدفاع عن الحق.

# القاضي الباقلاني # مناظرة ملك الروم # قضاة الإسلام # أبو بكر الباقلاني # سيف السنة # علم الكلام # العدالة في الإسلام # تاريخ الإسلام # حجة الباقلاني
اقرأ هذا الخبر